تايوان تحذر من استخدام سفارة الصين الجديدة بلندن لقمع المعارضين

أثار الممثل الأعلى لتايوان في المملكة المتحدة مخاوف جديدة بشأن السفارة الصينية الضخمة المزمع إنشاؤها في لندن، محذرًا من إمكانية استخدام المجمع الدبلوماسي لتسهيل حملة بكين لقمع المعارضين في الخارج.
يأتي هذا التحذير، الذي نقلته صحيفة ذا تليجراف، ليزيد من حدة الجدل حول التداعيات الأمنية والاستخباراتية وحقوق الإنسان لمشروع السفارة، الذي يُتوقع أن يصبح أكبر بعثة دبلوماسية صينية في أوروبا، فيما نفت بكين الادعاءات بشدة.
يقع مشروع السفارة في رويال مينت كورت بالقرب من برج لندن، وقد أثار سابقًا مخاوف سياسية وأمنية بسبب حجمه وموقعه الاستراتيجي، وتُضيف تصريحات تايوان الأخيرة بعدًا إضافيًا لهذا الجدل.
مخاوف تايوان بشأن المنشآت تحت الأرض
أعرب فينسنت تشين-هسيانغ ياو، الممثل الأعلى لتايوان في المملكة المتحدة، عن قلقه من أن تُستخدم الغرف تحت الأرض المخطط لها داخل السفارة الصينية الضخمة كمركز لاستهداف المعارضين في الخارج.
وذكر ياو لصحيفة ذا تلجراف، أن المشرعين التايوانيين المصنفين من بكين كـ"انفصاليين متشددين" قد يواجهون خطر الاختطاف من قبل أجهزة الأمن الصينية عند سفرهم دوليًا.
وشدد على أن تايوان لا تستبعد هذه الاحتمالات، مستندة إلى إجراءات سابقة اتخذتها السلطات الصينية ضد معارضين من هونغ كونغ وتايوان.
تداعيات قانون الأمن القومي الصيني
تُطبق الصين إجراءات قانونية صارمة ضد دعاة استقلال تايوان، حيث أصدرت بكين تعليمات لمحاكمها بإجراء محاكمات غيابية لشخصيات سياسية تايوانية مدرجة على القوائم السوداء ومتهمة بالانفصال، وقد تصل عقوبة هذه التهم إلى الإعدام.
ونظرًا لاختصاص بكين الواسع في قضايا الأمن القومي، يرى المسؤولون التايوانيون أن السياسيين المدرجين على هذه القوائم يواجهون مخاوف أمنية متزايدة عند السفر خارج تايوان، وهو ما يعزز تحذيرات تايوان بشأن السفارة.
تاريخ الجدل حول مشروع السفارة
أثار مشروع السفارة الصينية الضخمة جدلاً واسعًا منذ إعلان بكين عن خطط إعادة التطوير في عام 2018، حيث ركزت الاعتراضات الأولية على الأمن القومي ومخاطر التجسس.
وبعد موافقة الحكومة البريطانية على المشروع في يناير، تصاعد النقاش العام، خاصة بعد الكشف عن خطط لإنشاء قسم واسع تحت الأرض.
يُذكر أن هذه المنشآت ستكون بالقرب من بنية تحتية حيوية للاتصالات، تنقل بيانات مالية وحركة إنترنت واسعة، مما دفع السلطات البريطانية للتأكيد على اتخاذ إجراءات وقائية كإعادة توجيه الكابلات الحساسة وتعزيز التشفير.
حوادث سابقة وقمع عابر للحدود
تُشدد منظمات حقوق الإنسان على أهمية التركيز على مخاوف القمع العابر للحدود، مستشهدة بحوادث سابقة تورطت فيها بعثات دبلوماسية صينية.
ومن أبرزها حادثة أكتوبر 2022 في مانشستر، حيث تعرض الناشط الديمقراطي في هونغ كونغ، بوب تشان، للاعتداء داخل حرم القنصلية الصينية.
وقد زادت هذه الحادثة من قلق النشطاء بشأن سلامة المعارضين خارج الصين، خاصة بعد تكثيف بكين جهودها لملاحقة الأفراد المتهمين بتعريض الأمن القومي للخطر منذ قانون هونغ كونغ للأمن القومي عام 2020، حيث أفاد نشطاء في المملكة المتحدة بتعرضهم للمراقبة والترهيب.
اتهامات بمراكز شرطة صينية سرية
تُضاف إلى المخاوف الحالية مزاعم حول منشآت أمنية صينية غير رسمية في الخارج. فقد كشفت صحيفة لوموند الفرنسية مؤخرًا عن تفكيك جهاز الاستخبارات الفرنسي لتسعة مراكز يُعتقد أنها "مراكز شرطة" صينية، استُخدمت لمراقبة المعارضين والضغط عليهم للعودة إلى الصين.
وتُشير منظمات ناشطة إلى وجود أكثر من 100 منشأة مماثلة في أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، ويرى نشطاء أن السفارة الجديدة في لندن قد تتحول إلى مركز لأنشطة مشابهة، رغم نفي السلطات الصينية المتكرر لهذه المزاعم.
قضايا تجسس حديثة في المملكة المتحدة
يتزامن الجدل حول السفارة مع محاكمات تجسس حديثة في بريطانيا، حيث صدر حكم على مواطنين بريطانيين وصينيين، أحدهما يعمل لدى قوات الحدود البريطانية، بتهمة التجسس لصالح الصين على نشطاء مؤيدين للديمقراطية.
وخلال النطق بالحكم، أكدت القاضية شيما-غروب أن بريطانيا تواجه تدخلًا أجنبيًا مستمرًا ومتطورًا عبر أساليب سرية، مما عزز المخاوف العامة بشأن النفوذ الأجنبي وعمليات الاستخبارات في المملكة المتحدة.
رد الصين على الادعاءات
نفى مسؤولون صينيون بشكل قاطع الادعاءات التايوانية، واصفين إياها بـ"الافتراء الخبيث" و"لا أساس لها من الصحة".
ورفض متحدث باسم السفارة الصينية أي تلميحات بأن المجمع الدبلوماسي سيُستخدم للاحتجاز غير القانوني أو لاستهداف المعارضين في الخارج، مؤكدًا نفي بكين المستمر لممارسات الشرطة غير القانونية أو القمع العابر للحدود.
يُبرز الجدل حول السفارة الصينية الضخمة في لندن التداخل المعقد بين الدبلوماسية والأمن القومي وحقوق الإنسان. ويُبرر المؤيدون للتدقيق المشدد ذلك بحجم السفارة والادعاءات السابقة بالمراقبة، بينما يرى آخرون أن المخاوف المستقبلية تظل تكهنات ما لم تُدعم بأدلة ملموسة، مع التأكيد على التمييز بين الحوادث الموثقة والاحتمالات غير المؤكدة.