تحول قضائي لبناني يضع مقاتلي حزب الله تحت المجهر

يمثل قرار مثول مقاتلي حزب الله أمام المحاكم اللبنانية تحولًا قانونيًا وسياسيًا هامًا في لبنان، حيث لطالما تمتعت الحركة المدعومة من إيران بنفوذ عميق داخل مؤسسات الدولة.
وفقًا لتقرير فاينانشال تايمز، لأول مرة، يواجه أعضاء الحزب تهمًا جنائية تتعلق بأنشطة عسكرية ضد إسرائيل، مما يعكس تحولًا أوسع في نهج الحكومة اللبنانية تجاه الدور المسلح للحزب بعد حرب 2024.
على الرغم من أن عدد المحاكمات التي بدأت حتى الآن محدود، إلا أن هذه القضايا أصبحت رمزًا لتغير سياسة الدولة، كاشفةً عن التوترات بين الإصلاح القضائي والسياسة الداخلية والبيئة الأمنية الهشة في لبنان.
اعتقال عند نقطة تفتيش يُشير إلى خروج عن الممارسات السابقة
كانت نقطة التحول في مارس عندما قاد رجلان في الثلاثينيات من عمرهما، تم التعرف عليهما خلال جلسات المحكمة كعضوين في حزب الله، شاحنة صغيرة تحمل 21 صاروخًا باتجاه جنوب لبنان.
وفقًا لوثائق المحكمة ومسؤولين مطلعين على القضية، اقترب الرجلان من نقطة تفتيش تابعة للجيش اللبناني متوقعين المرور دون أي عائق، وهو ما كان يُعتبر واقعًا مقبولًا في بعض مناطق البلاد.
لكن بدلًا من ذلك، قام الجنود باعتقالهما. وبعد عدة أيام من الاحتجاز، أفادت التقارير بأن الرجلين أخبرا قاضيًا عسكريًا أنهما عضوان في حزب الله وأنهما كانا يعتزمان استخدام الصواريخ في قتال ضد إسرائيل بعد تجدد الأعمال العدائية.
وفقًا لمحاميهما، معن الأسعد، اعتقد الرجلان أن مهمتهما في الدفاع عن جنوب لبنان ستبرر أفعالهما بدلًا من تعريضهما للمحاكمة. لكن السلطات وجهت إليهما تهمًا جنائية شملت تعريض لبنان للخطر وانتهاك حياد الدولة، مما يمثل تحديًا قانونيًا غير مسبوق لشرعية العمليات المسلحة لحزب الله.
تغيرات المناخ السياسي بعد حرب 2024
جاءت الملاحقات القضائية عقب تغيرات سياسية كبيرة بعد خروج حزب الله من صراعه مع إسرائيل عام 2024 وقد ضعف. ومنذ ذلك الحين، واجهت الحكومة اللبنانية ضغوطًا متواصلة من إسرائيل والولايات المتحدة وشركاء دوليين آخرين لإحراز تقدم نحو نزع سلاح الحزب.
لعدم قدرة السلطات اللبنانية أو عدم رغبتها في مصادرة أسلحة حزب الله بالقوة، تبنت استراتيجية تدريجية شملت:.
- مبادرة نزع سلاح على مراحل بقيادة القوات المسلحة اللبنانية.
- إزالة لوحات حزب الله الإعلانية في بعض المناطق.
- تحقيق قضائي يتعلق بمؤسسة التمويل الأصغر التابعة للحزب.
- تشديد الرقابة القانونية على الأنشطة المسلحة التي تُنفذ خارج نطاق سلطة الدولة.
اتخذت الحكومة نهجًا أكثر حزمًا بعد إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل تضامنًا مع إيران رغم التحذيرات الرسمية الصادرة من بيروت، وهو ما أدى إلى حملة عسكرية إسرائيلية مطولة. واتهم منتقدون داخل لبنان الحزب بجر البلاد إلى صراع مدمر آخر.
الحكومة تحظر الأنشطة العسكرية
استجابةً لتجدد القتال، أعلنت الحكومة اللبنانية حظرًا على الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. وبدأت قوات الأمن لاحقًا باعتقال المقاتلين المتجهين نحو الجبهة الجنوبية وهي خطوة كانت تُعتبر سابقًا غير واردة سياسيًا. ركزت معظم المحاكمات الأولية على تهم جنح تتعلق بالأسلحة. ومع ذلك، مثل قرار ملاحقة أعضاء حزب الله جنائيًا تحولاً كبيراً عن عقودٍ كان فيها الدور المسلح للحزب مقبولاً على نطاق واسع في النظام السياسي اللبناني. لس سنواتٍ عديدة تبنّت البيانات السياسية الرسمية شعار “الجيش والشعب والمقاومة” ما يعكس اندماج الحركة في الحياة السياسية الوطنية.
أحكام محدودة تعكس استمرار النفوذ
على الرغم من أن المحاكمات قد فتحت آفاق قانونية جديدة إلا أنها لم تُسفر عن عقوبات رادعة. الحكم الوحيد الصادر حتى الآن هو غرامة مالية تُقدّر بنحو 10 دولارات أمريكية لكل مقاتل مُدان. لم تُسجل أي اعتقالات إضافية منذ أكثر من شهر ولم يُحتجز سوى بضع عشرات من المقاتلين خلال الحملة الأمنية الأوسع. يرى بعض المحامين المرتبطين بحزب الله أن المحكمة طبقت القانون القائم تطبيقاً صحيحاً مع التأكيد على استمرار الشرعية السياسية للحركة كما أقرّ محامون مرتبطون بالمنظمة بعلاقات طويلة الأمد تربطهم بأعضاء السلطة القضائية اللبنانية.
محكمة عسكرية تُثير جدلاً سياسياً
في التاسع من مارس وصلت إحدى أوائل القضايا إلى المحكمة العسكرية في بيروت حيث حوكم ثلاثة مقاتلين من حزب الله بعد اعتقالهم عند نقطة تفتيش عسكرية أثناء سفرهم من بعلبك باتجاه جنوب لبنان وبحوزتهم أسلحة نارية وقنابل يدوية. وفقاً لمصادر مطلعة على الإجراءات أقرّ المتهمون علناً بانتمائهم إلى حزب الله وقالوا إنهم كانوا يعتزمون الدفاع عن لبنان ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية. رغم إدانة المحكمة للمتهمين الثلاثة لم يتلقَّ كلٌّ منهم سوى غرامة مالية متواضعة. لاقى الحكم انتقادات من جهات متعددة؛ إذ رأى معارضو حزب الله أن الحكم يُظهر استمرار التساهل القضائي بينما استشهد دبلوماسيون غربيون بالغرامة كدليل على تقاعس لبنان عن اتخاذ إجراءات فعّالة ضد الحزب. وفقاً لمسؤولين قضائيين استأنف المدّعون العامّون القرار مطالبين بعقوبة أشدّ.
وزير العدل يصف نقطة تحوّل قضائية
وأكّد وزير العدل عادل نصار أن الرأي العام ركّز بشكل مفرط على الغرامة الصغيرة نسبيًّا متجاهلاً ما وصفه بتحوّل قانوني جوهري. بحسب نصار يعكس قرار المحكمة موقفاً قضائيًّا جديداً يعتبر أسلحة حزب الله غير شرعية كما أحال أحد القضاة المشاركين في الإجراءات للتحقيق لتحديد ما إذا كان هناك تدخل خارجي قد أثر على المحكمة وأكد نصار أن القضاء اللبناني لا يزال مستقلًّا عن أي تأثير سياسي.
يواصل محامو الدفاع الطعن في التهم
يواصل محامو حزب الله التأكيد على أن أنشطة المنظمة المسلحة لا تزال محمية بموجب الإطار القانوني والسياسي اللبناني ويؤكدون أن الحق في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي لا يزال معترف به بموجب الاتفاقيات التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية فضلًَا عن بعض أحكام الأمم المتحدة وبالتالي يؤكد محامو الدفاع أن الإدانات الأخيرة لم تُبطل هذا المبدأ القانوني الأوسع. وفي غضون ذلك رأت غيدا فرنجية رئيسة قسم التقاضي في منظمة “أجندة قانونية” الحقوقية في بيروت إن المسائل المتعلقة بأسلحة حزب الله يجب أن تستمر عبر الحوار السياسي بدلًَا من الملاحقات الجنائية خاصة خلال فترات النزاع المسلح.
تصعيد الضغوط السياسية بتوجيه تهم جنائية
حدث التصعيد القانوني الأبرز بعد توجيه المدعين العامين تهم جنائية للمقاتلين اللذين أُلقي القبض عليهما وبحوزتهما شحنة صواريخ ووفقاً لشهود عيان تجمع عدد من محامي حزب الله أمام مكتب مسؤول قضائي رفيع المستوى للاحتجاج على القرار وعكس انتهاكات الأسلحة السابقة طعنت التهم الجنائية بشكل مباشر شرعية الحملة العسكرية لحزب الله ضد إسرائيل ومن بين الاتهامات انتهاك تدابير الدولة الرامية إلى الحفاظ على حياد لبنان زمن الحرب وتساءل محامي الدفاع معن الأسعد عن الأساس القانوني للتهمة بحجة صعوبة تحديد مفهوم الحياد ضمن سياق صراع مستمر مع دولة تعتبرها لبنان عدواً رسميًّا.
الحرب تُغير مسار المحاكمات
مع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان ازدادت المواقف العامة والسياسية تجاه محاكمة المقاتلين بالخطوط الأمامية تعقيداً؛ بحسب عدد من المحامين والمسؤولين القضائيين عاد مقاتل واحد على الأقل سبق إدانته وتغريمه إلى ساحة المعركة حيث قُتل ووصف بعض الممثلين القانونيين هذه الملاحقات القضائية بأنها غير مناسبة زمن الحرب بينما حذر آخرون بأنه شن حملة قمع أوسع نطاق قد يُؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وفي الوقت نفسه عزز إصرار إيران ليكون وقف إطلاق النار بلبنان جزءاً من اتفاقها الأوسع مع الولايات المتحدة موقف الحزب وساهم هذا الأمر بانخفاض عدد الاعتقالات الجديدة.
تباطؤ الاعتقالات مع تصاعد الضغوط السياسية
<pفي الأسابيع الأخيرة أفادت التقارير بإطلاق سراح جميع المقاتلين المحتجزين بكفالة وتوقفت الاعتقالات الجديدة إلى حد كبير ويعزو المسؤولون والمراقبون القانونيون هذا التباطؤ لعوامل متعددة بينها ظروف الحرب والتحديات العملياتية التي يواجهها الجيش اللبناني والمخاوف بأن تؤدي الملاحقات القضائية المستمرة لتأجيج التوترات الداخلية ويرى آخرون الضغط القانوني والسياسي والإعلامي المتواصل الذي مارسته الشبكة القانونية لحزب لله ساهم بشكل كبير بتعليق الاعتقالات الجديدة؛ وقال المحامي حسن بازي الذي يعارض هذه الملاحقات إن المنظمة ردت بقوة مما وضع السلطات تحت ضغط متزايد.