دعوة البنوك الإسلامية لتجاوز التمويل التقليدي نحو منظومات اقتصادية

دعا الدكتور عمر الغرايبة، أستاذ إدارة مخاطر التمويل، البنوك الإسلامية إلى تجاوز دورها التقليدي في التمويل المحدود نحو بناء منظومات اقتصادية متكاملة.

وأوضح الغرايبة أن هذه البنوك حققت حضورًا ملحوظًا في الأسواق المالية العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، مقدمة بدائل شرعية للمنتجات المصرفية، لكن هذا الانتشار لم يواكبه نجاح واضح في تحقيق رسالتها التنموية والحضارية.

وأشار إلى أن هيمنة صيغ المرابحة على معظم أنشطة البنوك الإسلامية حولتها عمليًا إلى جهات تمويل ذات مخاطر منخفضة، تركز على تمويل الاستهلاك والأصول الفردية، بدلاً من التركيز على بناء الطاقات الإنتاجية وتوليد الثروة الحقيقية داخل الاقتصاد.

وأضاف أن السؤال الجوهري اليوم يجب أن يتجاوز مجرد كون المعاملة المصرفية «حلالًا» شرعيًا، ليمتد إلى مدى قدرتها على تحريك التنمية، ودعم الابتكار، وخلق فرص العمل، والتكيف مع قواعد السلامة المالية دون فقدان روحها الاستثمارية.

وشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير أدوات مالية جديدة، بل في إعادة تعريف الدور الاقتصادي للبنوك الإسلامية، لتتحول من مجرد وسيط بين المدخرين والمقترضين إلى مهندس لمنظومات اقتصادية متكاملة، يخلق المشاريع والفرص من الأساس.

وأكد الغرايبة أن الفرق بين النموذجين كبير، فالنموذج المصرفي التقليدي يمول مشروعًا موجودًا بالفعل، بينما النموذج التنموي الأوسع يبني منظومة إنتاجية متكاملة تربط التمويل بالإنتاج والتشغيل والتسويق والتصدير، مما يضاعف الأثر الاقتصادي والاجتماعي للبنك.

وأوضح أن هذا التحول يتطلب التعامل مع نافذتين أساسيتين في الوقت نفسه، الأولى تتعلق بإدارة السيولة، حيث إن تمويل سلاسل الإنتاج يحتاج إلى حبس الأموال لفترات أطول مقارنة بتمويل التجارة السريعة، مما يستوجب تطوير سوق نشطة للصكوك القابلة للتداول وابتكار عقود إعادة تمويل تضمن استمرار حركة النقد داخل البنك.

أما النافذة الثانية، فهي تخفيف المخاطر من خلال التنسيق مع شركات التأمين التكافلي، وتصميم شبكات أمان مالي تحمي المشاريع الوليدة من تقلبات الأسواق، بالإضافة إلى تطوير نماذج مرنة لتقييم مخاطر العملاء تتناسب مع طبيعة المشاريع الإنتاجية طويلة الأجل.

واختتم الغرايبة بالتأكيد على أن دفع البنوك الإسلامية نحو تمويل التجارة السريعة فقط، خوفًا من المخاطر، يحرمها من أداء دورها التنموي الحقيقي، فالمطلوب أن تصبح هذه البنوك شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد ممول له، وأن توازن بين حماية أموال المودعين وبين دعم القطاعات المنتجة القادرة على خلق فرص العمل وبناء الثروة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى