مخاوف من صدام داخلي بلبنان: الاتفاق الإطاري مع إسرائيل يثير ملف سلاح حزب الله

أثار الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وُقِّع في واشنطن في 26 يونيو الماضي بين لبنان وإسرائيل، انقسامًا داخليًا حادًا في بيروت، خاصة حول مصير سلاح حزب الله. فبينما قدمت واشنطن الاتفاق كخطوة لضمان سيادة وأمن الدولتين وإقامة علاقات حسن جوار وسلام، وصفه رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، بأنه “ترسيخ للخلاف”، ورفضه الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، معتبرًا إياه “باطلًا ولاغيًا”.

تعتبر الرئاسة اللبنانية والحكومة الاتفاق فرصة لإعادة تأكيد سلطة الدولة واستعادة القرار السيادي على الأراضي اللبنانية، سعيًا لاستعادة ثقة المجتمع الدولي وجذب الاستثمارات الضرورية لإنقاذ الاقتصاد المنهار. يأتي ذلك بعد أشهر من المواجهات العسكرية في جنوب لبنان، التي أضعفت البنية العسكرية للحزب وألحقت أضرارًا ببيئته الحاضنة، مما جعل ملف السلاح استحقاقًا سياسيًا وأمنيًا عاجلًا.

في المقابل، ترى القوى المؤيدة لحزب الله أن النص يتجاوز الخطوط الحمراء، لأنه يربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة بتجريد الحزب من سلاحه، وهو ما ترفضه باعتباره استجابة لشروط إسرائيلية. ينظر الحزب إلى سلاحه ليس فقط كوسيلة عسكرية، بل كجزء من معادلة الردع مع إسرائيل وركيزة لنفوذه السياسي، وبالتالي فإن التخلي عنه يعني تغييرًا جذريًا في موازين القوى الداخلية.

ويحذر مراقبون من أن محاولة فرض نزع السلاح بالقوة قد تؤدي إلى انقسام داخلي خطير، خاصة وأن الطائفة الشيعية تعتبر الحزب الضامن الأساسي لأمنها ومكانتها السياسية، بينما يرى قطاع واسع من اللبنانيين أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يعرقل قيام دولة المؤسسات ويمنع الاستقرار.

يتضمن الاتفاق آليات للتنفيذ تشمل إنشاء “مناطق تجريبية” يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها، مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من بعض المواقع التي احتلتها مؤخرًا. تترافق هذه الإجراءات مع التزامات لبنانية بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله داخل تلك المناطق. ومن المقرر أن تضطلع الولايات المتحدة بدور الضامن الرئيسي للتنفيذ، عبر لجنة متابعة أمنية تضم ممثلين أمريكيين ولبنانيين وإسرائيليين، وهو ما يراه الحزب محاولة لإخضاع لبنان للرقابة الأمريكية.

يزيد من تعقيد الوضع استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع تقول تل أبيب إنها تابعة لحزب الله، وإعلان إسرائيل احتفاظها بحرية التحرك العسكري عند رؤية تهديد لأمنها، مما يثير شكوكًا لبنانية حول التزام إسرائيل ببنود الاتفاق.

يواجه حزب الله ضغوطًا داخلية غير مسبوقة، فبالإضافة إلى الخسائر العسكرية والاقتصادية، يحمله جزء من الرأي العام اللبناني مسؤولية جر البلاد إلى مواجهة مع إسرائيل، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وانهيار في الخدمات العامة. قد يلجأ الحزب إلى كسب الوقت بقبول ترتيبات أمنية محدودة في الجنوب دون المساس بترسانته العسكرية، أملًا في تغير الظروف الإقليمية أو استعادة إيران لنفوذها.

منذ انتهاء حرب عام 2006، نص قرار مجلس الأمن 1701 على حصر السلاح جنوب نهر الليطاني بيد الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”، لكن حزب الله واصل تعزيز قدراته. ومع اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة، عاد ملف تنفيذ القرار إلى الواجهة بقوة، مدعومًا بضغوط دولية متزايدة. هذا الخلاف لا يقتصر على الاتفاق مع إسرائيل، بل يعكس صراعًا أعمق حول طبيعة الدولة اللبنانية: هل تستعيد الدولة احتكار القوة العسكرية، أم يستمر نموذج ازدواجية السلطة؟

ترى السلطة اللبنانية أن اللحظة الحالية قد تكون الفرصة الأخيرة لإعادة بناء الدولة بدعم عربي وغربي، بينما يرى حزب الله أن أي تنازل الآن سيقوض دوره الإقليمي ويضعف موقعه الداخلي.

سيناريوهات محتملة لمستقبل الاتفاق

  • نجاح التنفيذ التدريجي: يتم عبر تفاهمات أمنية محدودة تسمح بانتشار الجيش اللبناني، مقابل انسحابات إسرائيلية متدرجة، مع تأجيل الحسم النهائي في قضية سلاح حزب الله.
  • تعثر التنفيذ: بسبب رفض الحزب تقديم تنازلات جوهرية، مما يبقي الجنوب ساحة لتوترات متقطعة ويعرقل مسار التطبيع الأمني.
  • مواجهة داخلية: السيناريو الأكثر خطورة، حيث يتحول الخلاف حول السلاح إلى صدام بين القوى اللبنانية إذا حاولت أي جهة فرض تنفيذ الاتفاق بالقوة، مما يزيد من مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى