إرث عبدالوهاب المسيري الفكري: بوصلة لفهم الصراع العربي الإسرائيلي

في ظل تصاعد حدة الصراع العربي الإسرائيلي وتجلي النزعة الاستعمارية الصهيونية بصورها القاسية تبرز أطروحات المفكر وعالم الاجتماع المصري البارز الدكتور عبدالوهاب المسيري كمرجع أساسي لفهم تعقيدات الواقع فمع كل جولة صراع وما تشهده الأراضي المحتلة من تهجير قسري وتطهير عرقي يتأكد تحليل المسيري حول دعم الغرب لإسرائيل كأداة استعمارية لم يكن مجرد ترف فكري بل يمثل إرثه المعرفي بوصلة حية تمنح الأجيال الجديدة الوعي النقدي الضروري لاستيعاب أبعاد الصراع ومواصلة البناء عليه.
منذ رحيله في الثالث من يوليو 2008 خلف الدكتور عبدالوهاب المسيري تراثًا فكريًا وأكاديميًا ونضاليًا يمثل زادًا معرفيًا استشرافيًا دقيقًا تحتاج الأجيال لاستلهامه وتطويره لقد رفض المسيري الأفكار التقليدية الجاهزة وكرس حياته لابتكار مفاهيم وطرق تفكير جديدة تحمي الهوية العربية والإسلامية وتعمق وعيها امتد هذا المسار المنهجي الشامل من الأدب والنقد إلى فلسفة التاريخ.
توج المسيري جهوده بإنجازه الأضخم والأبرز في القرن العشرين موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ليصبح بحق مؤسسة فكرية كاملة اختزلت في رجل واحد وهو ما وثقته شهادات رفيقة دربه الدكتورة هدى حجازي ونخبة من كبار الكتاب والمفكرين والرموز الوطنية الذين استعرضوا إرثه ونضاله.
صاغ المسيري هذا الإرث المعرفي والنضالي في وثيقة إنسانية وفكرية حملت عنوان رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار لم تكن هذه الرحلة سيرة ذاتية تقليدية بل وصفها بأنها سيرة غير ذاتية وغير موضوعية رصدت تحولاته الفردية في الفكر والمنهج لتؤرخ في الوقت نفسه لجيله ولتاريخ الوطن يلتقي فيها الخاص بالعام وينصهر الفضاء الشخصي بالهم القومي متنقلًا مع القارئ من مسقط رأسه بدمنهور مرورًا بالإسكندرية ونيويورك وصولًا إلى القاهرة حيث استقر المقام نجح المسيري بأسلوبه السلس والعميق في تجريد القضايا الفكرية الكبرى وربطها بوقائع حياته اليومية واقتباسات من كتاباته مبرزًا كيف تترجم الأفكار النظرية العامة إلى نضال ومواقف حية في الحياة الشخصية وتزداد هذه السيرة ثراءً في طبعاتها الجديدة بملحق صور يوثق محطاته الملهمة.
ولد عبدالوهاب المسيري في الثامن من أكتوبر عام 1938 بمدينة دمنهور في كنف أسرة تنتمي إلى البرجوازية الريفية ومن هذا المناخ المتميز بدأت تتشكل ملامح وجدانه الفكري والسياسي وهي النشأة التي تركت بصمتها على كامل تكوينه المعرفي اللاحق كما يروي في مذكراته.
تلقى تعليمه الأولي في بلدته قبل أن تبدأ رحلته الأكاديمية الفعلية عام 1955 بالالتحاق بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وتخرج منها عام 1959 وعين معيدًا بها فتح له هذا التفوق أبواب البعثات الخارجية فتنقل بين كبريات الجامعات الأمريكية نال الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بنيويورك عام 1964 ثم شهادة الدكتوراه من جامعة رتجرز بنيوجيرسي عام 1969 لم تكن هذه المحطات الأكاديمية الغربية مجرد تحصيل علمي بل كانت المختبر الحقيقي الذي عاين فيه المسيري الحداثة الغربية وتفككها عن قرب.
عاد إلى مصر حاملًا مشروعًا فكريًا وميدانيًا واعدًا وعين عام 1970 مستشارًا لوزير الإرشاد القومي آنذاك الأستاذ هيكل وتولى التدريس بجامعة عين شمس وعدة جامعات عربية أبرزها جامعة الملك سعود وفي عام 1990 اتخذ المسيري قرارًا مصيريًا بالاستقالة من العمل الجامعي متفرغًا بالكامل لإنجاز مشروعه الأضخم موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية.
طوال هذا المخاض الفكري الشاق كانت شريكة عمره الدكتورة هدى حجازي أستاذة التربية بجامعة عين شمس السند المعرفي والإنساني له وأنجب منها ولديه نور وياسر حتى وافته المنية في الثالث من يوليو 2008 عن عمر ناهز السبعين عامًا بعد صراع شجاع مع مرض السرطان تاركًا خلفه تلك السيرة الممتدة التي صهرت الخاص بالعام في أبهى صوره.
لم تكن محطاته الأكاديمية والمعرفية لتنفصل يومًا عن نبض الشارع وهموم الوطن إذ بدأت مسيرته السياسية والنضالية في سن مبكرة جدًا يروي المسيري في مذكراته هذا النضج المتسارع قائلًا كانت لي مواقف سياسية وأنا مازلت بعد في السابعة كنا لا نكف عن التفكير في مسألة الحرب ضد الإنجليز ولعل ذكرياتي هذه هي التي جعلتني أتنبأ بالانتفاضة الفلسطينية قبل وقوعها ويروي بمسحة من دعابته المعهودة كيف أسس مع أصدقائه في طفولته بدمنهور جمعية سرية لمحاربة الإنجليز معلقًا الأمر كله لم يكن سوى لعب عيال ولكن مما له دلالته أن لعب العيال كان يأخذ هذا الشكل السياسي الوطني.
ترجم هذا الشغف المبكر المسيري يافعًا بالمشاركة الحماسية في مظاهرات الطلبة ضد الملك فاروق أوائل الخمسينيات وانخرط في حملات مقاطعة البضائع الإنجليزية وحرقها في ميدان الساعة بدمنهور دفع هذا المخاض الوطني المسيري إلى رحلة طويلة من التنقل الفكري والحركي بحثًا عن المشروع الأنسب لنهضة أمته فانضم لحزب مصر الفتاة لبضعة أيام ثم مر بجماعة الإخوان المسلمين ومع قيام ثورة يوليو 1952 انخرط في الحرس الوطني وهيئة التحرير وفي منتصف الخمسينيات تحول نحو اليسار المصري لينتمي إلى الحزب الشيوعي حتى عام 1959 ومع تطور نضجه المعرفي وصياغته لأطروحاته الحضارية عاد المسيري ليقترب من الفضاء الإسلامي التجديدي فكان عام 2004 من أوائل المؤسسين لحزب الوسط.
لم يكن المسيري مفكرًا يكتفي بنقد الواقع من خلف مكتبه الأكاديمي بل كان مناضلًا ميدانيًا حتى الرمق الأخير وتوج مسيرته السياسية بالوقوف في طليعة الانتفاضة الشعبية المصرية كمنسق عام للحركة المصرية من أجل التغيير كفاية في يناير 2007.
لم تكن تلك التضحيات والاعتقالات إلا وقودًا لغزارة إنتاجية إذ توج المسيري مسيرته الأكاديمية والنضالية بإرث معرفي غير ملامح المكتبة العربية بدأت رحلته مع النشر الفعلي بصدور أول مؤلفاته نهاية التاريخ مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني وتوالت إصداراته مثل العنصرية الصهيونية واليهودية والصهيونية وإسرائيل عام 1975 وهو العام ذاته الذي شهد ولادة اللبنة الأولى لمشروعه الكبير بصدور موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية رؤية نقدية عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.
كان هذا التأسيس المبكر بمثابة تمهيد للمخاض العلمي الشاق الذي دام أكثر من عشرين عامًا وأسفر في عام 1999 عن صدور عمله الأضخم والأبرز موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية في ثمانية مجلدات ضخمة عن دار الشروق بالقاهرة تكمن الأهمية الاستثنائية لهذه الموسوعة في كونها جاءت لترد على كل الموسوعات اليهودية السابقة التي كتبها يهود متحمسون للمشروع الاستيطاني فكانت الحاجة ماسة إلى مرجع عربي يفكك هذا الكيان بمنهجه الرصين عالج المسيري قضية من أعقد القضايا التاريخية إثارة للجدل مفرقًا بوضوح حاسم بين الديانة اليهودية كعقيدة سماوية وبين الصهيونية كحركة سياسية واستعمارية ومشرحًا تاريخ الجماعات اليهودية وسماتها وهياكلها عبر العالم.
لم تقف موسوعية المسيري عند حدود السياسة والصهيونية بل امتدت لتشمل الأدب والنقد فقدم دراسات متميزة مثل مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والتفت بقوة إلى أدب الأطفال كجزء أصيل من مشروعه الحضاري لغرس القيم الإنسانية فكتب لهم الأعمال القصصية الملهمة مثل قصة خيالية جدًا كما صاغ ديوانًا شعريًا بعنوان أغنيات إلى الأشياء الجميلة.
ترجم هذا الإرث العابر للقارات أجزاء منه إلى الإنجليزية والفارسية والتركية والبرتغالية تزامنا مع مشروعات حالية لترجمة سيرته الذاتية إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية تقديرا لهذا العطاء الفذ حصد المسيري كبرى الجوائز المحلية والدولية فتوج بجائزة العويس عام 2002 عن مجمل إنتاجه الفكري ونال جائزة الدولة التقديرية في الآداب بمصر عام 2004 كما حازت موسوعته الأضخم جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2000 وهو التكريم الذي ناله مجددًا في العام التالي 2001 عن كتابه رحلتي الفكرية فضلا عن جوائز عالمية ومحلية عديدة احتفت بقصصه ودواوينه الموجهة للأطفال لتظل هذه التكريمات شاهدًا على عبقرية مفكر صاغ بوعيه عقول أجيال بأكملها.
لم يكن تفكيك المسيري للمشروع الصهيوني مجرد ترف أكاديمي يمر بسلام بل تحول سريعًا إلى معركة وجودية شرسة قادها المفكر من خلف مكتبه ضد أجهزة الإرهاب الإسرائيلي ففي يناير 1984 ذاق المسيري مرارة الملاحقة حين تلقى ثلاثة عشر خطاب تهديد بالقتل من مائير كاهان عضو الكنيست السابق رئيس جماعة كاخ الصهيونية الإرهابية توعدته فيها الأيدي الصهيونية بالتصفية الجسدية ما لم يتوقف فورًا عن إتمام موسوعته وصولًا إلى الخطاب الثالث عشر الذي حمل عبارة مرعبة إننا نعد قبرًا لك ما استدعى وضع المسيري تحت الحراسة الأمنية المصرية المشددة.