البابا لاون الرابع عشر يتسلم ميدالية الحرية الأمريكية من مركز الدستور

يتأهب البابا لاون الرابع عشر، بابا الفاتيكان، لاستلام “ميدالية الحرية” في الثالث من يوليو، وهي واحدة من أبرز الجوائز المدنية الأمريكية التي يقدمها المركز الوطني للدستور في الولايات المتحدة وتُمنح للشخصيات البارزة التي ساهمت في تعزيز مبادئ الحرية والديمقراطية وسيادة القانون.
ويأتي هذا التكريم عرفانًا بجهود البابا في الدفاع عن الحرية الدينية وحرية الضمير وحرية التعبير، وهي قيم يعتبرها المركز جوهر التجربة الدستورية الأمريكية.
من المقرر أن يُقام حفل تسليم الجائزة في مدينة فيلادلفيا، التي تُعد مهد إعلان الاستقلال والدستور الأمريكي، وسيشهد مشاركة البابا عبر رسالة مصوّرة تُبث من الفاتيكان، ليصبح بذلك أول بابا في التاريخ يحصل على هذه الميدالية منذ بدء العمل بها.
يكتسب هذا التكريم أهمية خاصة نظرًا لتزامنه بعدة أشهر من توتر العلاقات بين البابا والإدارة الأمريكية تحت قيادة دونالد ترامب، حيث شهدت مواقف البابا بشأن قضايا الهجرة واللاجئين والعدالة الاجتماعية تباينًا واضحًا مع السياسات التي اعتمدها ترامب.
وكان البابا قد انتقد في مناسبات متعددة السياسات التي تهدف إلى تقييد استقبال المهاجرين أو تخفيض برامج المساعدات الإنسانية، مؤكدًا أن كرامة الإنسان يجب ألا تكون رهينة لاعتبارات سياسية أو انتخابية، في المقابل، تعرضت بعض مواقفه لانتقادات من شخصيات مقربة من الإدارة الأمريكية المحافظة.
لذلك، أثار الإعلان عن منحه الجائزة تساؤلات حول ما إذا كان يمثل مسعى لتهدئة الأجواء مع واشنطن أم يحمل في طياته رسالة سياسية غير مباشرة.
تُعد الإجابة الأقرب بخصوص طبيعة الجائزة أنها ليست جائزة أمريكية رسمية، فهي لا تُمنح من قبل الحكومة الأمريكية أو البيت الأبيض أو الكونجرس.
بل يقدمها المركز الوطني للدستور، وهو مؤسسة تعليمية مستقلة وغير حزبية، تأسست من قبل الكونجرس عام 1988 بهدف نشر الثقافة الدستورية وتعزيز الحوار حول المبادئ التي يقوم عليها الدستور الأمريكي.
وعلى الرغم من أن المؤسسة تعمل بتفويض من الكونجرس، فإنها تحتفظ باستقلاليتها في اتخاذ قراراتها ولا تخضع لتوجيهات الإدارة الأمريكية، مما يعني أن منح الجائزة لا يمكن اعتباره تعبيرًا عن موقف الرئيس أو محاولة رسمية لإنهاء الخلاف بين البابا وترامب.
ويرى مراقبون أن اختيار البابا يعكس رغبة المؤسسة في تقدير شخصية دينية عالمية تدافع عن الحريات الأساسية، وذلك بمعزل عن الخلافات السياسية القائمة داخل الولايات المتحدة.
فالمركز اعتاد على تكريم شخصيات من توجهات سياسية وفكرية متباينة، معتمدًا معيارًا وحيدًا هو الإسهام في حماية قيم الحرية والدستور، وليس الانتماء الحزبي أو التقارب مع السلطة.
من هذا المنطلق، يبدو منح البابا الجائزة أقرب إلى الاعتراف بدوره الأخلاقي والإنساني على الصعيد الدولي، أكثر منه محاولة لرأب الصدع مع إدارة ترامب.
أُطلقت “ميدالية الحرية” في عام 1989، وتُمنح سنويًا أو في مناسبات خاصة لشخصيات تركت بصمة استثنائية في الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وقد ضمت قائمة المكرمين بها على مر العقود أسماء بارزة مثل نيلسون مانديلا وكوفي عنان وجورج بوش الأب وجيمي كارتر وهيلاري كلينتون.
ينضم البابا لاون الرابع عشر إلى هذه القائمة ليكون أول بابا كاثوليكي يحصل على هذا التكريم، في خطوة تؤكد اتساع مفهوم الحرية لدى الجهة المانحة ليشمل أيضًا القيادة الروحية والدفاع عن كرامة الإنسان.
من غير المتوقع أن يؤدي هذا التكريم إلى إنهاء التباينات بين البابا والرئيس الأمريكي، إذ ترتبط أسباب الخلاف برؤيتين مختلفتين لقضايا الهجرة والعدالة الاجتماعية والعلاقات الدولية، وهي ملفات تتجاوز حدود المجاملات البروتوكولية.
كما أن استقلالية الجهة المانحة تجعل من الصعب تفسير الجائزة على أنها مبادرة سياسية من واشنطن، لكن الحدث يحمل دلالة مهمة مفادها أن داخل الولايات المتحدة مؤسسات مدنية ودستورية تفصل بين الخلافات السياسية وبين تقدير الشخصيات التي ترى أنها أسهمت في الدفاع عن القيم الإنسانية الأساسية.
وهكذا، يبدو أن “ميدالية الحرية” ليست وساطة بين البابا وترامب ولا محاولة لإرضاء أي من الطرفين، بل هي تكريم مستقل يعبّر عن رؤية مؤسسة دستورية تعتبر أن الدفاع عن الحرية الدينية وحرية الضمير وكرامة الإنسان يستحق التقدير، حتى في ظل استمرار الجدل السياسي حول هذه القضايا.