البنوك الإسلامية: دعوة لتحول تنموي ومعرفي يتجاوز التمويل

أكد الدكتور عمر الغرايبة، أستاذ مخاطر التمويل، أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرباح وحدها بل بمدى قدرتها على تحسين حياة الأفراد وتوفير فرص عمل مستدامة وواقعية.
وشدد الغرايبة على أن البنوك الإسلامية لديها القدرة على ابتكار نموذج تمويلي جديد يربط حجم الدعم المقدم للمشروع بالأثر الاجتماعي المتوقع منه.
وأوضح أن المشروعات التي تُسهم في خلق وظائف أكثر، أو توظف الشباب والنساء، أو تدعم تنمية المناطق الأقل حظًا والمحافظات، يجب أن تحصل على مزايا تمويلية إضافية، مما يجعل التوظيف هدفًا اقتصاديًا مباشرًا للقطاع المصرفي وليس مجرد نتيجة ثانوية للنمو.
وأضاف أن التحولات الجوهرية التي يتعين على البنوك الإسلامية تبنيها هي تجاوز دورها المالي التقليدي لتصبح مؤسسات معرفية، نظرًا لأن العديد من المشروعات لا تواجه الفشل بسبب نقص التمويل فقط، بل نتيجة لضعف الإدارة أو التسويق أو التخطيط.
وأشار إلى أن المطلوب ليس تحويل البنك إلى كيان تشغيلي ضخم يضيف أعباء بيروقراطية ويثقل كاهله، بل أن يعمل كـ «منسق ذكي» يعقد شراكات مع مراكز التدريب وحاضنات الأعمال وخبراء التسويق، بهدف تقديم حزمة متكاملة من الخبرات إلى جانب رأس المال، دون أن يتحول إلى جهاز إداري معقد يعيق الإبداع.
وأكد أن دمج رأس المال بالمعرفة عبر هذه الشبكات الخارجية يعزز فرص نجاح المشروعات بشكل ملحوظ، ويزيد من قدرة التمويل على إحداث أثر اقتصادي حقيقي، بدلاً من الاكتفاء بضخ الأموال دون متابعة فنية أو إدارية.
وذكر الغرايبة أن الفكرة الأعمق تتمثل في توجيه جزء من موارد الزكاة والوقف والعمل الخيري نحو إنشاء أصول إنتاجية مستدامة، بدلاً من التركيز على الإنفاق الاستهلاكي قصير الأمد.
وأوضح أن هذا النموذج يقوم على تحويل التبرعات والصدقات الجارية إلى أصول وقفية مولدة للدخل، مثل مصنع أو مزرعة أو مشروع خدمي دائم، تُصرف العوائد الناتجة عنها للمستفيدين بشكل مباشر ومنتظم، مع الحفاظ على الأصل ليبقى قادرًا على توليد منفعة متكررة على مر السنوات، مما يضاعف الأثر الخيري ويحول الموارد من إغاثات مؤقتة إلى أدوات تنموية مستدامة.
وأشار إلى أن هذا التصور يربط بين مقاصد الشريعة ومفاهيم التنمية الحديثة في نموذج اقتصادي أكثر استدامة وإنسانية، لأنه لا يقتصر على مساعدة المستفيدين مؤقتًا، بل يبني لهم مصادر دخل وفرص عمل وقيمة اقتصادية متجددة.
واختتم الدكتور عمر الغرايبة تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل البنوك الإسلامية لن يتحدد بقدرتها على ابتكار عقود جديدة أو إعادة تسمية المنتجات الحالية، بل بقدرتها على الانتقال من منطق التمويل إلى منطق البناء، وإعادة هندسة علاقتها بالمخاطر والسيولة والحوكمة.
وقال إن السؤال الذي يجب أن يوجه استراتيجيات البنوك الإسلامية لم يعد: «كم مشروعًا موّلنا؟»، بل: «كم منظومة اقتصادية أسسنا؟ وكم وظيفة دائمة خلقنا؟ وكم قطاعًا جديدًا ساهمنا في بنائه، مع بقاء السيولة قوية وحقوق المودعين محفوظة؟».
وأكد أنه عندما تصل البنوك الإسلامية إلى هذه المرحلة، فإنها لن تكون مجرد مؤسسات مالية متوافقة مع الشريعة، بل مؤسسات تنموية قادرة على صناعة الثروة، وإطلاق الطاقات، وإعادة ربط المال برسالته الحضارية في عمران الأرض وخدمة الإنسان.