البنوك الإسلامية مدعوة لتحول جذري: من تمويل المعاملات إلى بناء منظومات اقتصادية

تتجه البنوك الإسلامية اليوم نحو اختبار حقيقي يتجاوز الالتزام الشكلي بالضوابط الشرعية، وصولاً إلى دور تنموي أعمق في بناء الاقتصاد الحقيقي، حيث يرى الدكتور عمر الغرايبة، أستاذ إدارة مخاطر التمويل، أن هذه المؤسسات مطالبة بالانتقال من مجرد تمويل المعاملات والاستهلاك إلى تأسيس منظومات اقتصادية منتجة.
أشار الدكتور الغرايبة إلى أن البنوك الإسلامية حققت حضوراً واسعاً في الأسواق المالية العربية والإسلامية، وقدمت بدائل شرعية للمنتجات المصرفية التقليدية، لكن هذا الانتشار لم يواكبه بالضرورة نجاح مماثل في أداء رسالتها التنموية والحضارية.
وأوضح الغرايبة أن الكثير من البنوك الإسلامية تحولت، مع هيمنة صيغ المرابحة، إلى مؤسسات تمويل منخفضة المخاطر، تركز بشكل أساسي على تمويل الاستهلاك والأصول الفردية، بدلاً من التركيز على بناء الطاقات الإنتاجية وتوليد الثروة الحقيقية داخل الاقتصاد.
وشدد على أن السؤال المحوري الآن لا يقتصر على كون المعاملة المصرفية حلالاً من الناحية الشكلية، بل يتسع ليشمل قدرتها على تحريك التنمية ودعم الابتكار وخلق فرص العمل، مع التكيف مع قواعد السلامة المالية دون فقدان الروح الاستثمارية والتنموية.
وبيّن الغرايبة أن التحدي الحقيقي للبنوك الإسلامية يتمثل في إعادة تعريف دورها الاقتصادي، لتتحول من مجرد وسيط بين المدخرين والمقترضين إلى مهندس لمنظومات اقتصادية متكاملة، وهذا التحول يغير جوهر عملها وأثرها في المجتمع.
وأكد أن النموذج الهندسي الأوسع يبني بيئة اقتصادية كاملة تخلق المشاريع والفرص من الأساس، ويربط التمويل بالإنتاج والتشغيل والتصدير وبناء القطاعات الجديدة، خلافاً للنموذج التقليدي الذي يكتفي بتمويل مشروع قائم.
يتطلب هذا التحول فتح نافذتين أساسيتين في آن واحد، الأولى تتعلق بإدارة السيولة، إذ إن تمويل سلاسل الإنتاج يستلزم حبس الأموال لفترات أطول، مما يفرض تطوير سوق نشطة للصكوك القابلة للتداول، وابتكار عقود إعادة تمويل تضمن استمرار حركة النقد داخل البنك.
أما النافذة الثانية، فتتركز في تخفيف المخاطر عبر التنسيق مع شركات التأمين التكافلي، وتصميم شبكات أمان مالي للمشاريع الوليدة، مع تطوير نماذج مرنة لتقييم مخاطر العملاء تتناسب مع طبيعة المشاريع الإنتاجية طويلة الأجل.
وأوضح أن البنك الإسلامي في هذا السياق يصبح شريكاً في صناعة المستقبل، يشارك في بناء القدرة الإنتاجية وتوسيع قاعدة التشغيل وتعزيز القيمة المضافة ضمن الاقتصاد.
وأشار الغرايبة إلى أن أولى خطوات هذا التحول تكمن في الانتقال من تمويل الأصول إلى تمويل سلاسل القيمة، فبدلاً من تمويل مزرعة أو مصنع منفصل، يمكن للبنك ربط جميع حلقات الإنتاج ضمن منظومة واحدة تبدأ من المواد الخام وتنتهي بالتصدير.
وأضاف أن تمويل المزارع والمصنع وشركة التعبئة وشبكة التسويق ضمن رؤية متكاملة يضاعف الأثر الاقتصادي، ويولد وظائف جديدة، ويرفع القيمة المضافة المحلية، ويحول التمويل إلى أداة لإعادة تشكيل قطاع إنتاجي كامل.
وأكد في هذا السياق أهمية تفعيل دور هيئة رقابة شرعية موحدة تشرف على السلسلة بأكملها، لضمان توافق جميع حلقات المنظومة مع الضوابط الشرعية، ومنح المستثمرين والممولين الثقة في سلامة المشروع.
ولفت الغرايبة إلى أن البنوك الإسلامية تستطيع أيضاً تأسيس صناديق استثمار قطاعية متخصصة في المجالات ذات الأولوية الوطنية، مثل التكنولوجيا والزراعة الذكية والطاقة المتجددة والصناعات الدوائية، على ألا تكتفي هذه الصناديق بتمويل المشروعات القائمة بل تساهم في خلق قطاعات اقتصادية جديدة.
وأوضح وجود معادلة دقيقة تتمثل في رغبة المساهمين بأرباح فصلية سريعة، بينما تحتاج المشاريع التنموية لسنوات، لذا يقترح تصميم محافظ استثمارية ثنائية المسار، الأول تجاري قصير الأجل، والثاني تنموي طويل الأجل يتم تمويله عبر أدوات خضراء واجتماعية.
وأضاف أن هذه المحافظ يجب أن تتضمن مرونة في الخروج والاسترداد لكلا الفريقين، بما يوازن بين متطلبات الربحية قصيرة الأجل وضرورات التنمية طويلة الأجل دون الإضرار باستقرار البنك.
وأشار الغرايبة إلى أن من الأفكار الواعدة إنشاء أذرع متخصصة لرأس المال الجريء تعمل وفق صيغ المشاركة والمضاربة، مؤكداً أن معظم الاقتصادات المتقدمة بنيت عبر الاستثمار المبكر في الأفكار الناشئة والمشروعات الابتكارية.
وقال إن الأردن والعالم العربي يضمان آلاف الشباب ذوي الأفكار الواعدة، لكنهم يفتقرون للتمويل والخبرة، وهنا يبرز دور «تكاتف التمويل» بين البنك والجهات الحكومية وصناديق التنمية، بحيث تتحمل الأطراف الداعمة الجزء الأكبر من الخسائر المبكرة.
وأكد أن هذا النموذج يحول البنك الإسلامي من مقرض حذر إلى شريك فعال في بناء اقتصاد المستقبل، عبر دعم الشركات الناشئة وتحويل الأفكار القابلة للنمو إلى مشروعات منتجة.
وشدد الغرايبة على أن التنمية لا تقاس بالأرباح وحدها، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس، ولذلك يمكن للبنوك الإسلامية تطوير نموذج جديد للتمويل يربط بين حجم الدعم الممنوح والأثر الاجتماعي المتوقع من المشروع.
وأوضح أن المشروعات التي تخلق فرص عمل أكبر، أو توظف الشباب والنساء، أو تسهم في تنمية المحافظات الأقل حظاً، يجب أن تحصل على مزايا تمويلية إضافية، ليصبح التوظيف هدفاً اقتصادياً مباشراً للقطاع المصرفي.
وأضاف أن من التحولات المهمة أن تتجاوز البنوك الإسلامية دورها المالي البحت لتصبح مؤسسات معرفة، لأن الكثير من المشروعات تفشل بسبب ضعف الإدارة أو التسويق أو التخطيط.
وأشار إلى أن المطلوب ليس أن يتحول البنك إلى مؤسسة تشغيلية ضخمة، بل أن يصبح «منسقاً ذكياً» يبني شراكات مع مراكز التدريب وحاضنات الأعمال وخبراء التسويق، لتوفير حزمة متكاملة من الخبرات إلى جانب رأس المال.
وأكد أن امتزاج رأس المال بالمعرفة من خلال هذه الشبكات الخارجية يرفع فرص نجاح المشروعات بصورة ملحوظة، ويجعل التمويل أكثر قدرة على إنتاج أثر اقتصادي حقيقي.
وقال الغرايبة إن الفكرة الأكثر عمقاً قد تكون في توجيه جزء من موارد الزكاة والوقف والعمل الخيري نحو بناء أصول إنتاجية مستدامة، بدلاً من الاقتصار على الإنفاق الاستهلاكي قصير الأجل.
وأوضح أن الحل يكمن في تحويل التبرعات والصدقات الجارية إلى أصول وقفية منتجة، مثل مصنع أو مزرعة أو مشروع خدمي مستدام، على أن يتم صرف العوائد الناتجة عنها للمستفيدين بصورة مباشرة ومنتظمة.
وأشار إلى أن هذا النموذج يضاعف الأثر الخيري، لأنه يحول الموارد إلى أصول دائمة تخلق دخلاً وفرص عمل وتدعم الفئات المستحقة على المدى الطويل، وهنا تلتقي مقاصد الشريعة مع مفاهيم التنمية الحديثة.
واختتم الدكتور عمر الغرايبة تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل البنوك الإسلامية لن يُحسم بقدرتها على ابتكار عقود جديدة، بل بقدرتها على الانتقال من منطق التمويل إلى منطق البناء، وإعادة هندسة علاقتها بالمخاطر والسيولة والحوكمة.
وقال إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم استراتيجيات البنوك الإسلامية لم يعد: «كم مشروعاً موّلنا؟»، بل: «كم منظومة اقتصادية أسسنا؟ وكم وظيفة دائمة خلقنا؟ وكم قطاعاً جديداً ساهمنا في بنائه، مع بقاء السيولة قوية وحقوق المودعين محفوظة؟».
وأكد أنه عندما تصل البنوك الإسلامية إلى هذه المرحلة، فإنها لن تكون مجرد مؤسسات مالية متوافقة مع الشريعة، بل مؤسسات تنموية قادرة على صناعة الثروة، وإطلاق الطاقات، وإعادة وصل المال برسالته الحضارية في عمران الأرض وخدمة الإنسان.