القضاء الإداري يُلغي فصل موظف بـ “السكك الحديدية” رغم إيجابية تحليل المخدرات

قضت المحكمة الإدارية بمجلس الدولة بإلغاء قرار رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية لسكك حديد مصر، بإنهاء خدمة أحد العاملين بالهيئة بسبب تحليل المخدرات، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإعادته إلى عمله وصرف جميع مستحقاته المالية وفروق الأجور عن كامل فترة فصله.

صدر الحكم برئاسة المستشار شريف مصطفى رياض المصري، نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين محمود سالم إبراهيم محمد سالم وأحمد مسعد حمدي محمود أبوالمجد، نائبي رئيس مجلس الدولة، وبحضور مفوض الدولة أحمد طه سعيد السيد، وأمانة سر محمد أحمد فوزي محمد، وذلك في الدعوى رقم 481 لسنة 73 قضائية.

أكدت المحكمة في حيثياتها أن خطورة الجزاء المترتب على ثبوت تعاطي المخدرات، والمتمثل في إنهاء الخدمة بقوة القانون، تفرض التزامًا صارمًا بكافة الضمانات والإجراءات التي رسمها المشرع. أي إخلال بها يؤدي إلى بطلان إجراءات الكشف والتحليل ومن ثم سقوط الأساس القانوني الذي قام عليه قرار الفصل.

تعود أحداث النزاع إلى إصدار رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية لسكك حديد مصر القرار رقم 7448 بإنهاء خدمة المدعي استنادًا إلى ما أسفر عنه تحليل لعينة بول أُخذت منه خلال حملة مفاجئة للكشف عن تعاطي المواد المخدرة والتي انتهت إلى ثبوت إيجابية العينة لمادة الحشيش المخدرة.

اعترض الموظف على القرار مؤكدًا أن إجراءات سحب العينة وتحليلها شابها العديد من المخالفات القانونية والإجرائية التي تنال من سلامتها. فتقدم بداية بتظلم إلى جهة الإدارة وفقًا للإجراءات القانونية ثم لجأ إلى لجنة التوفيق في بعض المنازعات بالطلب رقم 426 لسنة 2026 إلا أن اللجنة رفضت طلبه. الأمر الذي دفعه إلى إقامة دعواه أمام مجلس الدولة طالبًا وقف تنفيذ قرار فصله ثم إلغاءه وما يترتب عليه من آثار وفي مقدمتها العودة إلى العمل وصرف مستحقاته المالية.

وأوضح المدعي أن القرار المطعون فيه صدر بالمخالفة للدستور والقانون واللائحة التنفيذية للقانون رقم 73 لسنة 2021 وأن جهة الإدارة أهدرت الضمانات التي كفلها المشرع للعاملين أثناء إجراءات الكشف عن المخدرات.

تناولت المحكمة فلسفة القانون رقم 73 لسنة 2021 والقرار الوزاري رقم 1166 لسنة 2022 المعدل للائحته التنفيذية مؤكدة أن المشرع لم يمنح جهة الإدارة سلطة مطلقة في إنهاء خدمة العامل بمجرد ظهور نتيجة إيجابية للتحليل وإنما قيد هذه السلطة بمجموعة من الضمانات والإجراءات الجوهرية التي تكفل نزاهة عملية الكشف وصحة نتائجها.

وقالت المحكمة إن إنهاء الخدمة يمثل أخطر الجزاءات الوظيفية لما يترتب عليه من آثار تمس مستقبل العامل وأسرته ومركزه القانوني. ومن ثم فإن الضمانات التي أوجبها القانون لا تعد إجراءات شكلية يمكن التغاضي عنها وإنما تمثل قواعد تتعلق بالنظام العام ويترتب على مخالفتها بطلان الإجراءات وما ينتج عنها.

وكشفت المحكمة بعد فحص ملف الدعوى ومستنداتها أن الهيئة القومية لسكك حديد مصر أجرت عملية سحب العينة والتحليل الاستدلالي داخل المركز الطبي التابع لها بواسطة الأطقم الطبية الخاصة بالمركز فقط دون مشاركة أو إشراف من اللجنة الفنية المشتركة التي أوجب القانون تشكيلها من ممثلين عن وزارة الصحة والسكان وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان ومصلحة الطب الشرعي.

وأوضحت المحكمة أن المادة السادسة من اللائحة التنفيذية أوجبت أن تتولى تلك اللجنة الفنية بنفسها الإشراف المباشر على إجراءات سحب العينات وتوثيقها وإثبات بياناتها في محاضر رسمية ضمانًا لسلامة الإجراءات ومنع أي شبهة عبث أو استبدال أو اختلاط للعينات.

وأضافت المحكمة أن أوراق الدعوى خلت تمامًا من أي محاضر رسمية أو إدارية تثبت قيام اللجنة الفنية المختصة بالإشراف على عملية سحب العينة كما لم تقدم جهة الإدارة ما يفيد تشكيل اللجنة أو أسماء أعضائها أو توقيعاتهم أو كيفية حفظ العينة ونقلها أو الضمانات التي اتُخذت للحفاظ على سلامتها.

وأكدت المحكمة أن هذا القصور الإجرائي يمثل مخالفة جوهرية للقانون واللائحة التنفيذية ويترتب عليه بطلان عملية أخذ العينة ذاتها ومن ثم بطلان جميع النتائج التي ترتبت عليها.

وشددت المحكمة على أن بطلان إجراءات سحب العينة لا يقتصر أثره على التحليل الاستدلالي الذي أجرته الهيئة وإنما يمتد أيضًا إلى التحليل التأكيدي الذي أجرته مصلحة الطب الشرعي باعتبار أن الأخير أجري على ذات العينة التي ثبت بطلان إجراءات سحبها وتوثيقها.

وقالت المحكمة إن العينة الباطلة لا يمكن أن تنتج دليلًا صحيحًا وبالتالي فإن النتيجة التأكيدية لا تصلح سندًا لإنهاء خدمة الموظف وهو ما يؤدي إلى انهيار السبب القانوني الذي استند إليه القرار الإداري وأن القرار المطعون فيه أصبح فاقدًا لركن السبب ومن ثم يغدو قرارًا غير مشروع جديرًا بالإلغاء.

وأكدت المحكمة أن الضمانات التي قررها المشرع في قانون شغل الوظائف أو الاستمرار فيها ليست مجرد إجراءات تنظيمية وإنما تمثل ضمانات أساسية لحماية حقوق العاملين وتحقيق التوازن بين حق الدولة في مكافحة تعاطي المخدرات داخل الجهاز الإداري وحق الموظف في محاكمة إدارية عادلة تستند إلى إجراءات صحيحة ودليل قانوني سليم.

وأوضحت أن احترام تلك الضمانات يرسخ مبدأ سيادة القانون ويحول دون تعسف الإدارة في استعمال سلطتها خاصةً في ظل جسامة الجزاء المترتب على ثبوت التعاطي.

وانتهت المحكمة إلى القضاء بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار رقم 7448 الصادر بإنهاء خدمة المدعي مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية أهمها إعادته إلى وظيفته التي كان يشغلها قبل صدور القرار وتمكينه من مباشرة عمله وصرف جميع مستحقاته المالية وفروق الأجور عن كامل فترة وقفه وفصله مع إلزام الهيئة القومية لسكك حديد مصر بالمصروفات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى