تداعيات ترشيد المياه: الفلاح المصري ومصير المحاصيل الاستراتيجية

في قرية صان الحجر بمركز الحسينية في محافظة الشرقية يعيش سمري عبد القادر البالغ من العمر ستين عامًا تحديات المعيشة اليومية التي تظهر على ملامح وجهه المتأثرة بحرارة الشمس ومشقة الزمن وعلى الرغم من محاولته إخفاء معاناته بارتداء جلباب مهندم يتحدث سمري عن تكاليف زراعته السنوية.

يشرح سمري أنهم يزرعون محصولي الأرز والقطن خلال الموسم الصيفي بينما يزرعون في الشتاء الغلة والبنجر والبرسيم الذي يستخدم لعلف الماشية وتنشيط التربة.

يواجه موسم الصيف تحديًا خاصًا بسبب ارتفاع الحرارة والحاجة الماسة للمياه خاصة لزراعة الأرز حيث يتم الري كل ثلاثة أيام بمعدل عشر مرات شهريًا ليصبح إجمالي مرات الري ثلاثين مرة خلال موسم الزراعة وفقًا لعبد القادر.

بالرغم من صغر مساحة أرضه البالغة ثمانية عشر قيراطًا يستهلك هذا المحصول كميات كبيرة من المياه تقدر بما يتراوح بين 3700 و4100 متر مكعب خلال الموسم الواحد أي ما يعادل 37 و41 مليون لتر مما يعني أن كل عملية ري تستهلك حوالي 1367 متر مكعب من المياه وهي كمية يرى سمري أنها قليلة مقارنة بالأفدنة الأكبر في مركز الحسينية.

تصل تكلفة الزراعة بما في ذلك شراء الكيماويات والحصاد إلى متوسط ثمانية آلاف جنيه لإنتاج 2500 طن من الأرز وهو إجمالي إنتاج الموسم وتصل الإيرادات المحصلة إلى 25 ألف جنيه ليتبقى لأسرة سمري 18 ألف جنيه تنفق حتى نهاية الموسم أو على زراعة محصول آخر في الشتاء.

في سياق متصل أصدرت وزارة الري والموارد المائية قرارًا وزاريًا رقم 26 لسنة 2025 بتاريخ 19 يناير قبل الماضي لتحديد مساحة زراعة الأرز في المحافظات المصرية بـ 7242 ألف فدان.

ينص القرار على أن تقوم مديريات الزراعة بالتنسيق مع مديريات الري بتوزيع المساحات المسموح بزراعتها وتقديم كشوفات وكروكيات بالمناطق المخصصة لزراعة الأرز.

كما تضمن القرار التنسيق مع وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والري والموارد المائية لتحديد أصناف جديدة من الأرز تتحمل الجفاف وملوحة المياه في مساحات تجريبية إضافية بواقع 200 ألف فدان بسلالات مقاومة للجفاف في الدلتا و150 ألف فدان تزرع بمياه ذات ملوحة مرتفعة نسبيًا في شبكات الري والصرف والأراضي ذات المشاكل التربة بالمناطق المصرح بها في الدلتا.

يحظر القرار الزراعة في المناطق غير المصرح بها وفقًا لقانون الموارد المائية والري ولائحته التنفيذية مع توقيع عقوبات على المخالفين وتحصيل قيمة مقابل كميات المياه الزائدة عن المقررة.

تظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الري والموارد المائية أن مصر تستهلك 114 مليار متر مكعب سنويًا من المياه.

تعتمد البلاد على حوالي 60 مليار متر مكعب سنويًا من المصادر المائية التقليدية منها 555 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل ويتم سد الفجوة بين الموارد والاحتياجات عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية وتحلية مياه البحر واستيراد محاصيل تمثل ما يعرف بالمياه الافتراضية.

يبلغ نصيب الفرد من المياه العذبة للشرب 600 متر مكعب سنويًا وهو أقل من المعدلات العالمية الدنيا المقدرة بـ 1000 متر مكعب مما يشير إلى أن مصر تعاني من الفقر المائي حسب تصريحات هاني سويلم وزير الري والموارد المائية.

تبلغ فجوة الطلب على المياه في مصر 8855 مليار متر مكعب سنويًا مقارنة بـ 6535 مليار متر مكعب سنويًا يتم تدبيرها من مصادر مائية متجددة بما فيها محطات المعالجة الثلاثية حيث يتم تغطية الفجوة من خلال إعادة إنتاج واستخدام مياه بمقدار 232 مليار متر مكعب سنويًا.

محاصيل ذات استهلاك مائي مرتفع

تشير التقارير الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تراجع زراعة الأرز في مصر خلال عام 2023/2024 إلى 13 مليون فدان بانخفاض قدره 215 بالمائة على أساس سنوي مقارنة بـ 16 مليون فدان في العام السابق له.

وصل إنتاج الأرز إلى 5 ملايين طن خلال عام 2023/2024 بعد أن كان 62 مليون طن في العام الذي سبقه.

احتلت محافظة الدقهلية المرتبة الأولى في محافظات الدلتا بإنتاجية بلغت 15 مليون فدان وهو ما يمثل 295 بالمائة من المساحات المزروعة تليها محافظة الشرقية بإجمالي 249264 ألف فدان ثم كفر الشيخ بنحو 1483 ألف فدان وأخيرًا المنوفية بمساحة 86 فدانًا.

سجل إجمالي زراعة القمح 33 مليون فدان في 2023/2024 مقابل 32 مليون فدان بتراجع بلغ 11 بالمائة وتستحوذ محافظة الشرقية على المركز الأول في زراعته.

بلغت مساحة زراعة البرتقال 3473 ألف طن مقابل 3503 ألف طن بتراجع قدره 08 بالمائة مع إنتاجية تبلغ 33 مليون طن بانخفاض قدره 200 ألف طن على أساس سنوي.

وصل حجم زراعة الموز إلى 876 ألف طن مقابل 773 ألف طن في نهاية 2022/2023 بزيادة قدرها 175 بالمائة بإنتاجية بلغت 135 مليون طن.

قرارات تحتاج لأسس علمية

يؤكد الدكتور نادر نور الدين الخبير وأستاذ الاقتصاد بكلية الزراعة بجامعة القاهرة أن قرارات وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والري والموارد المائية بشأن تحديد مساحات زراعة بعض المحاصيل وتقليل كميات المياه المخصصة لها كانت خاطئة وغير مستندة إلى أسس علمية.

يعتبر نور الدين أن بعض المحاصيل الزراعية سلع استراتيجية ذات بعد قومي نظرًا لاعتماد المواطنين والأسر البسيطة عليها كمصدر غذائي رئيسي في مصر.

يشير نور الدين إلى أن زراعة الأرز على سبيل المثال تعطي ضعف إنتاجية القمح فالفدان الواحد من الأرز ينتج 4 أطنان مقارنة بـ 25 طنًا من القمح.

يوضح أن كميات المياه التي تغمر الأراضي المزروعة بالأرز في مناطق الدلتا تقوم بعمليات غسيل وتطهير للتربة التي تعاني من الملوحة بسبب قرب مياه البحر بمسافة 100 كيلومتر من مدينة طنطا.

يضيف نور الدين أن مياه الفيضان في الماضي كانت تغمر أراضي الدلتا لمدة ثلاثة أشهر وهي فترة موسم زراعة الأرز مما كان يساهم في غسيل الأراضي المتأثرة بالملوحة ولكن مع بناء السد العالي لم يعد هذا ممكنًا مما أدى إلى تآكل مساحات أراضي الدلتا بنسبة 37 بالمائة منذ عام 2010 وفقًا لبيانات البنك الدولي.

يوضح أن سعر طن الأرز في البورصات العالمية يعادل ثلاثة أضعاف العوائد الاقتصادية للقمح ويبلغ حجم استهلاك مصر من الأرز 35 مليون طن سنويًا يتم توفيره من الإنتاج المحلي وبالتالي فإن استيراد 15 مليون طن من الخارج يعني ارتفاع التكلفة والضغط على العملة الأجنبية بتكلفة تعادل إنتاجية 105 مليون طن.

وفيما يخص زراعة قصب السكر يشير إلى وجود خطأ شائع بشأن استهلاكه لكميات كبيرة من المياه مؤكدًا أن مناطق زراعته في صعيد مصر تتميز بارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات تبخر المياه.

يوضح أن زراعة القصب في الصعيد توفر حماية لأهالي الجنوب من الحشرات والزواحف الضارة وتقلل من موجات الحرارة التي قد تصل إلى 50 درجة مئوية بالإضافة لكونه سلعة استراتيجية لهم وللمصريين.

يكشف أن زراعة قصب السكر في الصعيد تنتج أكثر من 17 سلعة ومنتجًا أبرزها السكر والعسل الأسود والمطهرات والإيثانول الذي تحتل مصر فيه المرتبة العاشرة عالميًا في تصديره ويحقق عوائد اقتصادية وسكر الفركتيلوز.

يؤكد أن إحلال زراعة البنجر محل القصب غير مجدٍ لأن إنتاج السكر من القصب يعطي إنتاجية تعادل مرتين ونصف على الأكثر من إنتاجية البنجر.

يضيف أن إنتاجية قصب السكر تراجعت خلال عشر سنوات من 330 طنًا للفدان إلى 160 طنًا حاليًا بسبب انخفاض مساحة الأراضي الزراعية.

يشير إلى أن إحلال زراعة قصب السكر في مناطق الدلتا غير منطقي ولا يستند لأسس علمية نظرًا لأن طبيعة القصب تتكيف مع البيئة الحارة التي تتوافق مع مناطق الصعيد.

يوضح أن إحلال محاصيل غير مناسبة للبيئة أثر بشكل كبير على الزراعات الشتوية مثل العدس والفول والشعير والصناعات المرتبطة بها مما تسبب في خلل بيئي وأثر على غذاء المصريين وساهم في الضغط على العملة الأجنبية نتيجة اللجوء للاستيراد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى