رحلة إنسانية: رحمة ومنى تبدأان حياة جديدة بعيدًا عن المعاناة

هناك أطفال لا يبدأون حياتهم بصرخة فرح أو فزع، ولا بأذرع تمتد لاحتضانهم، ولا بغرفة ينتظرهم فيها أب وأم يختاران أسماءهم ويحلمان بمستقبلهم.

يستقبل البعض عالمًا لا يعترف بهم، حيث يعرفون فقط أوراق رسمية وإجراءات قانونية وسيارة تنقلهم من مكان إلى آخر، حتى تنتهي رحلتهم الأولى عند باب دار رعاية. والأكثر مأساوية أنهم يُطلق عليهم لقب “المعثور عليهم”.

إنها مأساة لا تظهر في وسائل الإعلام، ولا تقاس بالأرقام والإحصاءات، بل تُقاس بطفولة تبدأ بلا أسرة وبقلوب صغيرة تُختبر قبل أن تعرف معنى الحياة.

من أين بدأت الحكاية؟

لم تكن رحمة مجرد طفلة ولدت في ظروف صعبة، بل كانت ضحية مأساة بدأت قبل أن ترى النور. والدتها تعاني إعاقة ذهنية وقد تعرضت لاعتداء استغل ضعفها وعجزها عن حماية نفسها. جاءت “رحمة” إلى الدنيا نتيجة لهذه الجريمة، وتم العثور عليها ملقاة فوق سطح أحد المنازل في مركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة، مما يلخص حجم القسوة التي قد تصل إليها بعض القلوب.

أما “منى” فكادت قصتها تنتهي قبل أن تبدأ. في الساعات الأولى من أحد الأيام، بينما كان بعض الأهالي يتجهون إلى الحقول، لمحوا رضيعة ملقاة على حافة إحدى الترع، لا يفصلها عن المياه سوى سنتيمترات قليلة. دقائق أخرى ربما كانت كفيلة بأن تجرفها المياه إلى مصير مأساوي، لكن عناية الله أنقذتها ونُقلت لتلقي الرعاية اللازمة.

قصتان مختلفتان تلتقيان في حقيقة واحدة مؤلمة: طفلتان بدأتا حياتهما في مواجهة قسوة لا ذنب لهما فيها.

وهنا لم تعد القضية مجرد إنقاذ طفلين؛ بل أصبحت رسالة للمجتمع بأسره بأن حماية الأطفال ورعاية فاقدي الرعاية الأسرية وإنصاف الفئات الأكثر ضعفًا ليست مسؤولية جهة واحدة بل مسؤولية مجتمعية كاملة.

في ساعات قليلة بدأت طفلتان حياة جديدة

في الأول من يونيو 2026، شهدنا فصلًا من هذه الحكاية مرتين في يوم واحد. خرجنا لإنهاء إجراءات تسليم الطفلة “رحمة” إلى دار الرعاية بعد حياة قاسية لم تخترها.

بينما كنا نظن أن الرحلة أوشكت على الانتهاء جاءت “منى” لتسلك نفس الطريق وكأن القدر أراد جمع الطفلتين معًا ليظهر لنا أن خلف كل حالة نسمع عنها عشرات الحكايات التي تحتاج إلى روايتها.

في ساعات قليلة حملت السيارة طفلتين لكل منهما قصة مختلفة لكن المصير كان واحدًا: بداية جديدة داخل دار رعاية وأمل بأن يجد كل منهما ما حُرم منه سابقًا.

لحظة لن تُنسى

في تمام الساعة 2:09 ظهرًا دخلت منى دار رعاية الأطفال بـ”الهلال القديم” بمدينة دمنهور بالبحيرة. وبعد ساعة وثلاث عشرة دقيقة وصلت رحمة إلى دار رعاية البنات بـ”الأبعادية”. قد تبدو أوقات مدونة في محاضر رسمية لكنها ستظل لحظة لا تُنسى؛ لحظة انتقلت فيها طفلتان من المجهول إلى مكان يمنحهما فرصة جديدة للحياة.

النظرة الأخيرة

كانت لحظة وداع رحمة بين الأيدي للمرة الأخيرة قبل دخولها دار الرعاية حيث كانت عيناها الصغيرتان تبحثان بين الوجوه المحيطة بها عن وجه تعرفه أو صوت تألفه. لم تدرك أين وصلت ولكنها كانت تغادر كل ما عرفته لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها. وحين أُغلق الباب خلفها ساد صمت ثقيل ولم يكن أحد يتحدث؛ فبعض المشاهد تعجز الكلمات عن وصفها.

رحمة ومنى ليستا الحكاية الوحيدة

هناك عشرات الأطفال داخل دور الرعاية لكل منهم قصة لم يخترها ومستقبل ينتظر من يشارك في صناعته. هؤلاء الأطفال بحاجة لحقوقهم كاملة في الرعاية والتعليم والصحة والحماية ومجتمع يؤمن بأن الطفل لا يُحاسب على ظروف ميلاده ويستحق فرصة عادلة ليحيا بكرامة.

رسالة إلى المجتمع.. كل واحد منا يستطيع أن يصنع فرقًا

قد تكون مساهمة في رعاية طفل أو دعم مؤسسة تقوم بهذا الدور أو مشاركة في نشر الوعي حول حقوق هؤلاء الأطفال. الرحمة ليست كلمة تُقال بل مسؤولية تُمارس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى