طارق التلمساني: المبدع الذي أطفأ القدر بصره ولم تفقد رؤيته الضوء

في عالم السينما، يعتبر مدير التصوير هو “العين” التي ترى بها الجماهير الحكاية؛ فهو صانع الضوء، ومروض الظل، ومهندس الكادر الذي يمنح الحلم ملامحه البصرية.
المفارقة القاسية في تاريخ الفن هي أن يرحل الضوء عن عيني الرجل الذي علّم السينما العربية كيف ترى التفاصيل، تاركًا خلفه إرثًا بصريًا لا يموت.
ماذا يحدث عندما تصاب هذه “العين” بالعمى، ويفقد ساحر الضوء قدرته على رؤية ما يصنعه؟
تلك هي التراجيديا الإنسانية الملهمة التي عاشها الفنان الكبير طارق التلمساني. يُعد واحدًا من أبرز أباطرة الصورة في تاريخ السينما العربية، وقد اختار القدر أن يحرمه من نعمة البصر، لكنه لم يستطع إطفاء “بصيرته” الفنية المتقدة. ليظل رغم الظلام أحد أكثر الأسماء إشعاعًا في ذاكرتنا البصرية.
أهم الأعمال.. بصمات ذهبية في تاريخ الصورة
لم يكن طارق التلمساني مجرد مصور يمسك بكاميرا، بل كان مخرجًا للصورة وشاعرًا يكتب بالضوء. درس السينما في معهد السينما بمصر واستكمل دراسته في الاتحاد السوفيتي سابقًا، ليعود حاملًا رؤية بصرية مغايرة غيرت وجه السينما الواقعية والدرامية.
تميزت أعماله بالعمق النفسي وتوظيف الإضاءة للتعبير عن مشاعر الشخصيات. ومن أبرز محطاته التي حفرت اسمه بحروف من نور:.
- المواطن مصري (1991): بالتعاون مع المخرج الكبير صلاح أبو سيف حيث قدم صورة واقعية دافئة وعميقة للريف المصري وصراعاته.
- آيس كريم في جليم (1992): مع المخرج خيري بشارة وفيه قدم كادرات حيوية وعصرية تناسبت تمامًا مع روح جيل التسعينيات الساعي للحرية.
- أيام السادات (2001): برفقة المخرج محمد خان حيث نجح التلمساني في إعادة إنتاج الحقب الزمنية المختلفة للتاريخ المصري الحديث ببراعة بصرية فائقة مستخدمًا تدرجات الألوان والإضاءة لمحاكاة الواقع التاريخي.
- بحب السينما (2004): مع المخرج أسامة فوزي ويُعد هذا الفيلم تحفة بصرية تجسد شغف التلمساني بالصورة حيث تلاعب بالظلال والإضاءة داخل دور العرض والكنيسة والمنزل ليعكس الصراع النفسي للأبطال.
- الراعي والنساء (1991): مع المخرج علي بدرخان حيث ساهمت إضاءته وكادراته المحبوسة داخل المنزل في تعزيز أجواء العزلة والتوتر النفسي بين البطلات وأحمد زكي.
ولم يقتصر إبداعه على خلف الكاميرا بل امتد لخطوات تمثيلية مميزة كشفت عن كاريزما خاصة في أفلام مثل السلم والثعبان ومسلسلات مثل محمود المصري.
إن رحلة طارق التلمساني بعد فقدان بصره جراء وعكة صحية وجلطات دماغية متتالية ليست قصة مأساوية فحسب بل هي سيمفونية في الصمود والرضا. عندما سئل التلمساني في لقاءاته المتأخرة عن غيابه كان يتحدث بروح الفيلسوف الذي يرى بقلبه ما لا يراه الآخرون بأعينهم.
لقد غابت الألوان والأضواء عن عيني “ساحر الكادر” لكن الصور التي صنعها على مدار عقود ستبقى حية تضيء عتمة الشاشات وتلهم أجيالاً من صناع السينما.
طارق التلمساني يثبت للجميع أن السينما ليست مجرد حاسة نظر بل هي إحساس بالكون وأن المبدع الحقيقي قد يفقد القدرة على الرؤية لكنه أبدًا لا يفقد القدرة على “الرؤيا”. فقد يغيب الضوء عن صانعه طارق التلمساني ولكنه يعد “عين السينما” التى انطفأت وبقيت وستبقى كادراتها تُضيء التاريخ. ورغم مرضه والمحن التي يمر بها وتمنياتنا له بالشفاء سيظل طارق التلمساني.. ساحر الضوء الذي صاغ وعي السينما بالبصر وان شاء الله سيهزم العتمة بالبصيرة.