الاقتصاد المصري يواجه التحديات الجيوسياسية بمرونة.. وخبراء يدعون لتسريع الإصلاحات الهيكلية

أكد خبراء اقتصاديون خلال ندوة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي، أن الاقتصاد المصري أظهر مرونة في مواجهة التحديات الناتجة عن الصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، محققًا نموًا بنسبة 5.3% خلال النصف الأول من العام الجاري. ودعا المشاركون إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحويل الأزمات إلى فرص مستدامة.

تناولت الندوة، التي جاءت بعنوان “قراءة في التأثيرات الاقتصادية لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط”، تحولات طبيعة المخاطر الاقتصادية العالمية، حيث أصبحت الصدمات الجيوسياسية مكونًا أساسيًا في المشهد الاقتصادي، مما يستدعي بناء اقتصادات أكثر قدرة على التكيف والاستفادة من الفرص الناشئة. شارك فيها الدكتور أحمد جلال وزير المالية الأسبق، وميغيل إدواردو سانشيز مارتن كبير الاقتصاديين المعني بملف مصر وجيبوتي واليمن بمجموعة البنك الدولي، وسعد صبرة مدير مكتب مؤسسة التمويل الدولية (IFC) في مصر، وأدارتها الدكتورة عبلة عبد اللطيف.

أوضح ميغيل إدواردو سانشيز مارتن أن الصراع الراهن يؤثر بشكل أكبر على اقتصادات الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط، بينما تمتد آثاره المتعلقة بالتضخم وارتفاع الأسعار لتشمل الاقتصاد العالمي ككل. وأشار إلى أن مصر دخلت الأزمة بوضع اقتصادي أفضل، بفضل إصلاحات سعر الصرف والانضباط المالي وتحسين بيئة الأعمال، وهو ما انعكس على تسارع النمو الاقتصادي.

شهد الاقتصاد المصري تحسنًا في مؤشرات سوق العمل ونموًا في الصادرات غير البترولية والسياحة، بالإضافة إلى ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنحو 30%. كما تحسن أداء المالية العامة نتيجة لإصلاحات الإدارة الضريبية. وبين إدواردو أن مصر شهدت تدفقات خارجة من استثمارات المحافظ بلغت 9.2 مليار دولار في بداية الأزمة، وانخفضت القيمة السوقية للبورصة بنحو 12% قبل أن تستعيد جزءًا كبيرًا من خسائرها، مؤكدًا أن مرونة سعر الصرف ساهمت في امتصاص الصدمة وحماية الاحتياطيات الدولية.

وأضاف أن مؤشرات المخاطر السيادية بدأت في التحسن مع تراجع حدة التوترات، بينما حافظ قطاع السياحة على صموده، محققًا نموًا في الإيرادات بنحو 15% خلال الربع الأول. وفيما يخص التضخم، أوضح أنه مدفوع أساسًا بارتفاع أسعار الطاقة والمرافق، محذرًا من تداعيات تضخم الغذاء على الفقر والقوة الشرائية، ومشددًا على أن خلق فرص العمل وتعزيز دور القطاع الخاص هما السبيل المستدام للحد من الفقر.

من جانبه، أكد سعد صبرة أن الوضع الراهن يمثل اختبارًا هيكليًا للاقتصادات في ظل واقع عالمي جديد تسيطر عليه الجغرافيا السياسية في قرارات الاستثمار. وأشار إلى أن مصر لديها فرصة لتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق لتعزيز تنافسيتها، مستفيدة من موقعها الجغرافي واستقرارها النسبي، لافتًا إلى أن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) تضخ أكثر من مليار دولار سنويًا في مشروعات مصرية، وأن اهتمام المستثمرين بقطاعي الصناعة والخدمات مستمر.

شدد صبرة على أهمية تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز تكافؤ الفرص لجذب المزيد من الاستثمارات الخاصة. وأكد أن دور الدولة يجب أن يتركز على التنظيم وتهيئة البيئة، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص. كما دعا إلى تنويع مصادر الطاقة، واستكمال إصلاحات قطاع الكهرباء، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتوسيع فرص الحصول على التمويل، لرفع تنافسية الاقتصاد.

بدوره، قال الدكتور أحمد جلال إن العالم دخل مرحلة أصبحت فيها الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية “الوضع الطبيعي الجديد”، مما يستدعي الاستعداد المسبق للأزمات. وصنف أداء الاقتصاد المصري في “المنطقة الرمادية”، حيث نجحت الحكومة في التعامل مع الآثار قصيرة الأجل من خلال مرونة سعر الصرف، والانضباط المالي، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتجنب القرارات التي قد تزيد من اضطراب الأسواق.

لكنه شدد على أن الاختبار الحقيقي يكمن في الإصلاحات الهيكلية، خاصة إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد لتمكين القطاع الخاص وتعزيز المنافسة. ودعا إلى مراجعة إدارة الدين العام، وتحقيق تكامل أكبر في إدارة الموارد العامة، ومواءمة السياسات التجارية والصناعية مع هدف زيادة الصادرات، مؤكدًا أن الاندماج في سلاسل القيمة العالمية هو المصدر الأكثر استدامة للنقد الأجنبي.

أوضح جلال أن الاقتصاد المصري يمتلك إمكانات نمو أكبر بكثير من معدلاته الحالية، مشيرًا إلى أن تحقيق نمو يتراوح بين 7% و8% ضروري لتحسين مستويات المعيشة، وأن المعدلات الحالية غير كافية لإحداث تحول اقتصادي واجتماعي ملموس. وأكد أن مواجهة التضخم تتطلب زيادة الإنتاجية وتحسين كفاءة السياسات النقدية والمالية، وليس التدخل المباشر في تحديد الأسعار.

اختتمت الدكتورة عبلة عبد اللطيف الندوة بالتأكيد على أن مصر أصبحت أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي بفضل استقرارها النسبي، لكن هذه الميزة تتوقف على سرعة استكمال الإصلاحات. ودعت إلى إزالة معوقات المستثمرين، مثل توفير الأراضي الصناعية المرفقة والبنية الأساسية الجاهزة، مشيرة إلى أن خلق فرص العمل يبدأ بجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج.

كما أكدت أهمية الاهتمام بأوضاع الطبقة المتوسطة عند تصميم السياسات الاقتصادية، وأن تحديات الفقر تتطلب سياسات اقتصادية شاملة. ودعت إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة ومتابعة مشروع ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) لتحديد تأثيراته المحتملة على التجارة العالمية، مؤكدة أن مصر تمتلك بدائل تنافسية قوية لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.

خلصت الندوة إلى أن المتغيرات الإقليمية تتيح فرصًا مهمة أمام الاقتصاد المصري، وأن سرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتعزيز التنافسية وجذب الاستثمارات ستكون حاسمة في تحقيق مكاسب اقتصادية مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى