المنتدى العالمي يحذر: الذكاء الاصطناعي يغير وجه الإرهاب

شكل الاجتماع الأخير للجنة التنسيقية للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب (GCTF)، الذي انعقد في بروكسل خلال يونيو 2026 برئاسة مشتركة من الاتحاد الأوروبي وجمهورية مصر العربية، منصة محورية للمكاشفة الأمنية الدولية والإعلان الرسمي عن بزوغ عصر جديد يمثله “التهديد الرقمي المستقل”.
أقر قادة الاستخبارات وخبراء الأمن السيبراني والسياسيون المجتمعون بأن الترسانة القانونية والأمنية التقليدية تواجه مأزقاً حرجاً يتمثل في “عدم التماثل التكنولوجي اللامتكافئ”، حيث أظهرت الجماعات المتطرفة مرونة فائقة وقدرة ديناميكية على تبني وتطوير التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي التوليدي، متفوقة بذلك بمسافات زمنية شاسعة على البيروقراطية الحكومية والدولية البطيئة في إصدار التشريعات والقوانين الأمنية المناهضة. لم يعد النقاش الدولي مقتصراً على استهداف المعسكرات الميدانية أو تجفيف منابع الحوالات التقليدية، بل تركزت الجهود حول كيفية بناء مرونة أمنية سيبرانية قادرة على فك شفرات خلايا “الذباب المالي” وكبح جماح “الوكلاء الرقميين المستقلين” الذين يتسللون إلى العقول والأنظمة المالية دون تتبع.
لم يعد الإرهاب الدولي المعاصر في عام 2026 مجرد تنظيمات هيراركية تقليدية تتحرك في جغرافيا جبلية رخوة أو مناطق نزاع مفتوحة، بل أعاد تشكيل نفسه بنيوياً ليتحول إلى شبكات خوارزمية ذكية وعابرة للقارات تعيش وتتمدد في الفضاء الرقمي. يعكس هذا التحول الجذري، الذي رصدته أحدث تقارير أجهزة الاستخبارات الدولية، قفزة تقنية مرعبة تتقاطع فيها تقنيات الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي التوليدي مع الأنظمة المالية اللامركزية والأصول المشفرة. ونتيجة لهذا التمازج الخطير، تحولت أدوات الاستقطاب والتمويل من عمليات يدوية بطيئة ومكشوفة أمنياً إلى استراتيجيات هجينة ومؤتمتة بالكامل، مما يضع الترسانة الأمنية العالمية أمام تحد غير مسبوق يتعلق بـ “سيادة البيانات” والقدرة على مواجهة أسلحة تدار بالمستقبل.
في جانب التجنيد والتوجيه الفكري، لم يعد الاستقطاب الرقمي عبئاً لوجستياً يتطلب جيشاً من العناصر البشرية التي تقضي ساعات طوال خلف الشاشات في غرف الدردشة المشفرة لاصطياد الضحايا، بل انتقلت التنظيمات المتطرفة إلى حقبة “الأتمتة الكاملة”. وبحسب الدراسة الاستشرافية الصادرة عن معهد الدراسات الإستراتيجية (DIEEE) في عام 2026، نجحت هذه الجماعات في هندسة “وكلاء مستقلين” (AI Agents) تعمل كمنظومة تجنيد ذاتية القيادة. تعتمد هذه المنظومة على إعادة برمجة النماذج اللغوية الكبرى وتعديلها عبر تقنيات كسر الحماية (Jailbreaking)، مما يتيح لها تجاوز القيود الأخلاقية والأمنية التي تفرضها الشركات المطورة، وتحويل هذه النماذج إلى أدوات دعائية بالغة الفعالية قادرة على صياغة خطاب متطرف ومقنع دون أي تدخل بشري مباشر.
تبدأ العملية الرقمية بقيام خوارزميات مسح متطورة ومصممة خصيصاً برصد منصات التواصل الاجتماعي المفتوحة والمغلقة، بحثاً عن علامات “الهشاشة النفسية” أو الغضب والاضطراب لدى فئات الشباب. يقوم الوكيل الذكي بتحليل المنشورات والتفاعلات والتعليقات لتحديد المستخدمين الأكثر عرضة للاستقطاب بناءً على مؤشرات سلوكية دقيقة. بمجرد تحديد “الهدف”، ينطلق الروبوت السيبراني (Chatbot) لبدء محادثة خاصة وسرية، مظهراً تعاطفاً مصطنعاً يلامس جراح الضحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وهو ما يمهد لبناء علاقة ثقة وهمية وسريعة، يتم استغلالها لاحقاً لتمرير الأفكار المشوهة.
أبرز ما كشفه تقرير (DIEEE) هو القدرة الفائقة لهذه البرمجيات الذكية على “التخصيص الثقافي واللغوي الفوري” (Hyper−Personalization). فالروبوت لا يتحدث بلغة نمطية أو ركيكة، بل يمتلك القدرة على التبديل الآلي واللحظي بين مئات اللغات واللهجات المحلية بدقة متناهية. يمكنه محاورة شاب في عمق الساحل الإفريقي (مثل مالي أو النيجر) بلهجته المحلية ورموزه القبلية، وفي ذات الوقت إدارة محادثة أخرى مع شاب في آسيا الوسطى مستخدماً الميراث الثقافي والسياسي لمنطقته. يمنح هذا التغلغل الثقافي الضحية شعوراً زائفاً بأن الطرف الآخر ينتمي إلى بيئته ويشاركه ذات المظلومية، مما يكسر الحواجز الدفاعية النفسية بشكل أسرع بكثير من الطرق التقليدية.
تتفوق البرمجيات المستقلة على العنصر البشري في تخطيها التام للحدود والقيود البيولوجية، فهي لا تنام ولا تعبأ بالوقت ولا تصاب بالإحباط جراء الرفض. يتيح هذا التميز التقني للروبوت الواحد إدارة آلاف المحادثات الفردية المعقدة والمتزامنة في نفس الثواني، مع الحفاظ على خصوصية وسياق كل حالة. تسير هذه المحادثات وفق خطة نفسية هندسية تعرف بـ “قمع التدرج”، حيث تبدأ بمرحلة “التضامن الإنساني والعاطفي”، ثم تنتقل ببطء مدروس نحو “تسييس الأزمة” وعرض السردية المتطرفة كحل وحيد، وصولاً إلى مرحلة “تلقي الأيديولوجيا العنيفة”. عندها يتم نقل الضحية آلياً عبر روابط مشفرة مخصصة إلى قنوات تواصل سرية ومغلقة للغاية (مثل تليغرام المعدل أو شبكات الماتريكس) لتلقي الأوامر التنفيذية على أرض الواقع.
تكتمل حلقة التجنيد الرقمي بتغذية عقول المستهدفين بـ “ضوضاء معلوماتية” مكثفة لقطع صلتهم بالواقع، وذلك من خلال الإنتاج الواسع للمحتوى البصري عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي. تقوم التنظيمات بتوليد آلاف الصور ومقاطع الفيديو التزييف العميق (Deepfakes) التي تبدو واقعية تماماً، والتي تفبرك مجازر وهمية أو تحرف تصريحات سياسية لمسؤولين دوليين أو تصنع بطولات وهمية لعناصر التنظيم. يستخدم هذا السيل الجارف من المواد المفبركة لإنتاج “سرديات مظلومية مطلقة” ومقنعة وعالية الدقة، تنجح في الالتفاف على فلاتر الرقابة التقليدية لمنصات التكنولوجيا الكبرى، مما يعزز حالة العزلة الفكرية للضحية ويدفعها نحو التطرف العنيف بشكل متسارع.
تعد جبهة التمويل الجيوسياسي التطور الأكثر خطورة وتعقيداً، فبعد النجاحات المتتالية التي حققتها الضربات الاستخباراتية الدولية المشتركة في إغلاق منصات خلط وتعمية العملات المشفرة الشهيرة (Crypto Mixers)، وعلى رأسها التفكيك الكامل لمنصة Tornado Cash وشبكاتها الرديفة، اعتقدت الجهات الرقابية أنها ضيقت الخناق على الشرايين المالية للإرهاب. إلا أن شبكات تابعة لتنظيمات معولمة، وفي مقدمتها “داعش خراسان” (ISKP)، سارعت إلى سد هذا الفراغ عبر ابتكار تكتيك مالي هجين يعتمد بالكامل على برمجيات الذكاء الاصطناعي المستقلة، وهو الأسلوب النمطي الذي بات يعرف أمنياً بمصطلح “الذباب المالي المستقل” (Agentic Smurfing)، والذي نقل غسيل الأموال من الأسلوب اليدوي البدائي إلى التشغيل الخوارزمي الذاتي.
تبدأ الهندسة المالية لهذا التكتيك فور تلقي التنظيم لتبرعات أو عوائد مالية ضخمة من داعميه عبر شبكة الإنترنت المظلم أو الأصول المشفرة. هنا، يتولى وكيل ذكاء اصطناعي مالي متخصص تحليل دفتر الأستاذ العام لشبكات البلوكشين (Blockchain) لتحديد مستويات الحركة والرقابة الحالية، ليعقب ذلك توليد فوري وتلقائي لآلاف المحافظ الرقمية المؤقتة والمجهولة، والمعروفة باسم “المحافظ الحارقة” (Burner Wallets). يقوم النظام بعد ذلك بتفتيت المبالغ الضخمة وتوزيعها بدقة متناهية على تلك المحافظ في شكل “تمويلات ميكروية” متناهية الصغر تتراوح قيمتها ما بين 50 و550 دولاراً فقط، مما يجعل التتبع البشري التقليدي لهذه المسارات المتشعبة أمراً شبه مستحيل لوجستياً.
تكمن عبقرية هذا الأسلوب الإجرامي في قدرته على تخطي قواعد الحظر وأنظمة الامتثال الدولية المحدثة، حيث تفرض القوانين الدولية الصارمة وقواعد “مجموعة العمل المالي” (FATF) وتشريعات الأسواق في الأصول المشفرة الأوروبية (MiCA) تدقيقاً صارماً وهوية واضحة (KYC) على أي تحويلات تتجاوز حاجز الـ 1000 دولار. ومن خلال إبقاء الذكاء الاصطناعي لقيمة التحويلات تحت هذا السقف القانوني وبشكل عشوائي، تتدفق هذه الأموال بسلاسة عبر القنوات الرقمية باعتبارها معاملات تجارية يومية صغيرة أو تبرعات فردية عادية، مما يعمي خوارزميات الامتثال الآلية في البنوك والمنصات المركزية ويمنعها من إطلاق إنذارات الاشتباه المبكر.
لا تكتفي البرمجيات الخبيثة بتفتيت المبالغ فحسب، بل تعمد إلى تنفيذ مناورات تقنية معقدة تعرف بـ “التنقل السريع عبر سلاسل الكت” (Chain−Hopping). يقوم الذكاء الاصطناعي بنقل الأصول المفتتة بسرعة فائقة بين شبكات بلوكشين مختلفة البنية ومتعددة البروتوكولات (مثل TRON المعروفة بإنتاجيتها العالية، وEthereum، وBinance Smart Chain) مستغلاً الجسور الرقمية اللامركزية (Cross−Chain Bridges). تخلق هذه الحركة الدائرية والسريعة بين الشبكات طبقات ضخمة من التعمية والتعقيد، مما يربك الأنظمة الرقابية الحكومية وشركات تحليل البلوكشين التي تحتاج عادة إلى فترات زمنية طويلة لربط الخيوط وتتبع حركة الأموال بين الشبكات المتباينة.
تصل الدورة المالية للذباب الرقمي إلى مرحلتها الأخيرة والخطيرة وهي “الصرف النقدي والهروب من النطاق الرقمي”. فبمجرد وصول الأموال المشتتة إلى وجهاتها النهائية المستهدفة في مناطق النزاع أو النطاقات الرخوة أمنياً، يتم توجيهها آلياً نحو شبكات صرافة فعلية ووسطاء ماليين غير مرخصين يعملون خارج النظام المصرفي القانوني، والمعروفين بـ “وسطاء خارج المنصة” (OTC Brokers) أو شبكات “الحوالة” التقليدية المدعومة بمحافظ رقمية. عند هذه النقطة، يتم سحب الأموال وتحويلها إلى سيولة نقدية تقليدية (Fiat Currency) في غضون دقائق، ليصبح التنظيم قادراً على تمويل عملياته على الأرض وشراء الأسلحة وإعالة عناصره، قبل أن تتمكن الهيئات الأمنية الدولية من إصدار قرار بتجميد محفظة رقمية واحدة.
تمثلت أبرز التوصيات الراديكالية التي خرج بها المجتمعون في إعلان الوفاة الإكلينيكية لآليات الرقابة المالية الكلاسيكية، والدعوة إلى تحول فلسفي وتقني شامل يقضي بالانتقال من استراتيجية “مراقبة القيمة” (Value Monitoring) إلى استراتيجية “تحليل النمط السلوكي الخوارزمي” (Pattern Analysis). فانتظار رصد التحويلات المالية الكبيرة التي تتجاوز السقوف القانونية لم يعد مجدياً في عصر “الذباب المالي”. يدفع القرار الدولي الجديد نحو إلزام منصات الأصول الرقمية والبورصات المشفرة باستخدام أدوات امتثال مدعومة بذكاء اصطناعي مضاد، يمتلك القدرة على المسح اللحظي لرصد السلوك المالي المتشظي والمحفظي، وتتبع الحركات الدائرية السريعة للأموال المتناهية الصغر قبل اكتمال دورتها وتسييلها.
تطرقت مناقشات المنتدى بعمق إلى واحدة من أكثر الثغرات الأمنية تعقيداً لعام 2026، وهي إساءة استخدام النماذج اللغوية الكبرى من خلال تقنيات كسر الحماية (Jailbreaking). استغلت الجماعات الإرهابية الثغرات البرمجية في الأنظمة التجارية المفتوحة والمغلقة لإلغاء فلاتر الأمان وتحويلها إلى أدوات لإنتاج الفكر المتطرف بكثافة. ولأجل هذا، شدد المنتدى على ضرورة صياغة أطر قانونية وتشريعية تتسم بـ “المرونة الرشيقة” وتتجاوز الجمود التشريعي التقليدي، بحيث تتيح هذه القوانين التدخل الفوري لتحديث المعايير الأمنية الرقمية وملاحقة التهديدات بالتوازي مع سرعة تطور الخوارزميات نفسها، بدلاً من الانتظار لسنوات في أروقة البرلمانات.
بموجب الرؤية الأمنية المستحدثة لـ GCTF، لم تعد مواجهة التطرف الرقمي حكراً على الأجهزة الأمنية الحكومية فحسب، بل جرى التوجيه نحو تفعيل دور “المثلث الدفاعي المشترك” عبر دمج شركات التقنية الكبرى ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة كخط دفاع أول وأساسي. تهدف هذه الشراكة الاستراتيجية الإلزامية إلى إجبار عمالقة التكنولوجيا على فتح “الصناديق السوداء” لخوارزمياتهم، ومشاركة البيانات الفنية المبكرة مع الجهات البحثية والأمنية، لضمان الكشف الاستباقي عن الثغرات البرمجية التي تستغلها الروبوتات المتطرفة في بث دعايتها الموجهة، وتطوير تكنولوجيا مضادة قادرة على حجب المحتوى المزيف بعمق بشكل فوري.
في ختام تقييمها، خلصت توصيات رئاسة المنتدى إلى أن حماية الأمن القومي الدولي في النصف الثاني من العقد الحالي تتطلب “أتمتة الردع”، أي مقابلة الذكاء الاصطناعي الهجومي بذكاء اصطناعي دفاعي موازٍ في الكفاءة والسرعة. بناء هذه “المرونة الدولية المشتركة” يستلزم سد الفجوات التقنية بين الدول المتقدمة والدول النامية (لا سيما في النطاقات الرخوة كمنطقة الساحل الإفريقي)، عبر إنشاء مركز بيانات دولي موحد ومتاح لمشاركة الأنماط السلوكية الإرهابية المرصودة بصفة لحظية، لضمان ألا تظل القوانين الدولية تقف عاجزة بأسلحة الماضي أمام إرهاب يدار بالمستقبل.