عتلم: قيمة ثورة 30 يونيو تتضح وسط متغيرات الشرق الأوسط

أكد الدكتور وليد عتلم، الباحث بالمركز الوطني للدراسات السياسية، أن القيمة الفعلية لثورة 30 يونيو أصبحت أكثر جلاءً بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على وقوعها، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن المستجدات الراهنة برهنت على صواب الخيار الذي اتخذه الشعب المصري حينها.
وأوضح عتلم، في مداخلة هاتفية مع قناة النيل للأخبار، أن التساؤل المحوري اليوم لم يعد يدور حول دوافع قيام ثورة 30 يونيو، بل حول المصير الذي كانت ستؤول إليه الأوضاع لو لم تحدث الثورة، لافتًا إلى أن الإجابة عن هذا التساؤل يمكن استخلاصها من الصراعات المستمرة والأزمات السياسية والأمنية التي تعصف بالعديد من دول المنطقة وتؤثر على استقرارها ومؤسساتها.
وأشار إلى أن المصريين في الثلاثين من يونيو لم يكونوا أمام مجرد خيار لتغيير حكومة أو نظام سياسي، بل كانوا على مفترق طرق يحدد مصير الدولة الوطنية ومؤسساتها بين الحفاظ عليها أو الانزلاق نحو الفوضى وغياب الاستقرار.
وأضاف أن الثورة شكلت محطة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية، حيث انتصر المواطنون لمفهوم الدولة الوطنية الموحدة ذات المؤسسات الراسخة، في مواجهة مشاريع عابرة للحدود لا تستند إلى جوهر الدولة الوطنية أو الهوية المصرية، مؤكدًا أن صون وحدة الدولة ومؤسساتها يمثل أبرز الإنجازات المحققة على مدار السنوات الماضية.
وبيّن الباحث بالمركز الوطني للدراسات السياسية أن ثورة 30 يونيو لا يمكن اختزالها في مجرد تحول سياسي، فهي في عمقها مثّلت إعادة تعريف لمفهوم الدولة المصرية، مشيرًا إلى أن الفترة التي سبقت الثورة كانت تركز على إنقاذ الدولة، بينما انطلقت المرحلة اللاحقة نحو بناء الدولة وتعزيز قدراتها في مختلف القطاعات.
وأكد أن هذا التحول يمثل الفارق الجوهري بين الثورات التي تفضي إلى هدم مؤسسات الدولة، وتلك التي تؤسس لمرحلة جديدة من البناء والتنمية، لافتًا إلى أن مشروع الجمهورية الجديدة جاء استمرارًا لهذا المسار، عبر التركيز على تطوير مؤسسات الدولة وتقوية قدرتها على مواجهة التحديات.
وأشار إلى أن المشهد الإقليمي شهد خلال السنوات الأخيرة تطورات متسارعة، شملت استمرار الحرب في السودان، والتحديات الأمنية على الحدود الغربية، بالإضافة إلى الحرب في قطاع غزة، والتطورات في لبنان وسوريا، فضلاً عن أزمات البحر الأحمر والتنافس الدولي المتصاعد على منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن قدرة مصر على الحفاظ على استقرارها الداخلي وتأمين حدودها واتخاذ قراراتها الوطنية بشكل مستقل، إلى جانب استمرار تحركاتها الإقليمية والدولية بثقة ومصداقية، يعكس متانة مؤسسات الدولة ونجاحها في التعامل مع بيئة إقليمية بالغة التعقيد.
وأكد الباحث أن مشروع الدولة الذي بدأ بعد ثورة 30 يونيو واجه منذ بدايته سلسلة من التحديات الدولية والإقليمية، مما جعل مسيرة التنمية أكثر صعوبة مقارنة بالعديد من التجارب الأخرى، موضحًا أن الدولة واجهت تبعات جائحة كورونا، ثم الأزمة الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من اضطرابات في الاقتصاد العالمي، فضلاً عن الأزمات الإقليمية المتتالية التي أثرت على حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى التوترات الأمنية في المنطقة.
وأضاف أن هذه المتغيرات فرضت ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد المصري، ومع ذلك، واصل مشروع الجمهورية الجديدة مسيرته، معتمدًا على تماسك مؤسسات الدولة ودعم المواطنين، مما أسهم في استمرار تنفيذ خطط التنمية رغم الظروف الاستثنائية.
وأشار إلى أن مشروع الدولة بعد ثورة 30 يونيو لا يقتصر على كونه مشروعًا اقتصاديًا أو سياسيًا فحسب، بل يمثل عقدًا اجتماعيًا جديدًا أعاد توحيد المصريين حول مشروع وطني يهدف إلى بناء الدولة وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وهذا المشروع يقوم على شراكة بين مؤسسات الدولة والمواطن، بهدف تحقيق التنمية الشاملة، وترسيخ الاستقرار، ورفع كفاءة مؤسسات الدولة، بما يواكب التحولات الإقليمية والدولية.
وأكد الباحث بالمركز الوطني للدراسات السياسية أن وحدة الصف الوطني تعد من أبرز عوامل صمود الدولة المصرية عبر تاريخها، مشيرًا إلى أن تماسك الهوية الوطنية المصرية ظل دائمًا أحد أهم مصادر القوة التي حافظت على استمرارية الدولة رغم ما تعرضت له من تحديات.
وأضاف أن المفكر الراحل جمال حمدان أشار في مؤلفاته إلى أن تنوع الشخصية المصرية لم يكن يومًا سببًا للانقسام، بل شكّل عنصرًا للتكامل، حيث استطاعت مصر الجمع بين دوائرها العربية والأفريقية والمتوسطية والإسلامية مع الحفاظ على هويتها الوطنية.
وأوضح أن قوة الدولة المصرية تنبع أيضًا من طبيعة مؤسساتها الوطنية التي تشكلت عبر تراكم تاريخي طويل، مؤكدًا أن هذه المؤسسات تستند إلى عقيدة وطنية لا ترتبط بانتماءات حزبية أو طائفية أو قبلية، وإنما تنحاز إلى الدولة ومصالح الشعب المصري، كما أن القوات المسلحة والشرطة ومختلف المؤسسات الوطنية أدت دورًا حيويًا في الحفاظ على استقرار الدولة خلال أصعب المراحل، من خلال تمسكها بدورها الوطني، مما ساهم في حماية الأمن القومي المصري.