الأبيض السودانية: تحذيرات مجلس الأمن من تصاعد الصراع والكارثة الإنسانية

بدأت التحذيرات الصارمة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بخصوص مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في سياق الديناميكيات العسكرية المعقدة التي تشكل الحرب السودانية المستمرة فالأبيض لا تقتصر على كونها موقعاً جغرافياً، بل تمثل العقدة الاستراتيجية المحورية في منطقة وسط السودان، حيث إن السيطرة عليها يمكن أن تحسم جزءاً كبيراً من مسار النزاع القائم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
تكتسب مدينة الأبيض ثقلاً عسكرياً واقتصادياً بالغ الأهمية، حيث تربط إقليمي دارفور وكردفان بالعاصمة الخرطوم وبقية الولايات السودانية، مما يجعلها الشريان الحيوي لنقل البضائع والمساعدات كما تضم المدينة قاعدة “تندلتي” الجوية ومقرات الفرقة الخامسة مشاة المعروفة بـ “الهجانة”، وهي من أقدم وأقوى فرق الجيش السوداني، وسقوطها قد يؤدي إلى انهيار الدفاعات العسكرية للجيش في قطاعي غرب ووسط السودان بالكامل.
بالإضافة إلى ذلك، يمنح التحكم في الأبيض أي طرف القدرة على تأمين آبار النفط والمطارات، مما يمكنه من خنق إمدادات الطاقة والتحكم في الملاحة الجوية اللوجستية وتأتي دلالات تحذير مجلس الأمن لتعكس مخاوف حقيقية من تكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في “الفاشر” أو “الجنينة”، حيث تتحول المدن المكتظة بالنازحين إلى مسارح للتطهير العرقي أو الجرائم الجماعية.
تعتمد قوات الدعم السريع استراتيجية “الحصار الخانق” في الأبيض، من خلال حرب الاستنزاف باستخدام المسيرات لتدمير البنية التحتية مثل محطات الكهرباء والمستشفيات، بهدف جعل المدينة غير صالحة للحياة وإجبار السكان على النزوح القسري ويشمل ذلك قطع خطوط الإمداد الإنساني لمنع وصول الغذاء والدواء، مما يهدد مئات الآلاف من المدنيين والنازحين بخطر المجاعة الحتمية.
على الصعيد الميداني، تبدو الضغوط الدبلوماسية الدولية بلا جدوى في ظل غياب آليات إلزامية على الأرض، مثل فرض حظر طيران أو إرسال قوات حفظ سلام ترى قوات الدعم السريع في السيطرة على الأبيض ورقة تفاوضية كبرى لفرض واقع سياسي جديد، في حين يدافع الجيش السوداني، مدعوماً بالقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، عنها باستماتة، معتبراً إياها مسألة وجود للدولة.
تتجاوز معركة الأبيض كونها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، إنها معركة كسر عظم استراتيجية، وإذا لم تتحول البيانات الأممية إلى عقوبات رادعة وضغوط فعلية على الأطراف المسلحة وداعميها الإقليميين، فإن المدينة مقبلة على كارثة إنسانية قد تكون الأقسى في تاريخ النزاع السوداني الحديث.