النازحون في غزة يتحدون قيود البناء بمنازل من الطين والركام

يدفع النقص الحاد في مواد البناء وأزمة السكن في قطاع غزة الفلسطينيين النازحين إلى ابتكار حلول سكنية مؤقتة، حيث يعتمدون على الطين والخرسانة المعاد تدويرها والفولاذ المستعمل ومواد أخرى متوفرة محليًا لبناء منازلهم.

ووفقًا لتقرير فاينانشال تايمز، تأتي هذه الجهود بعد نحو عامين من الصراع والدمار الواسع النطاق، ومع استمرار القيود على دخول مواد البناء التقليدية، مما يترك آلاف العائلات أمام خيارات محدودة لتحسين ظروف معيشتهم في مخيمات الخيام المكتظة.

حلول مبتكرة من قلب المعاناة

قرر الخزّاف الفلسطيني جعفر عطا الله، بعد عامين من العيش في مأوى مؤقت، بناء منزل دائم من الطين الذي جمعه من أرض قريبة من مخيمه في غزة. استلهم عطا الله خبرة عائلته المتوارثة في صناعة أفران الخبز التقليدية، وعمل مع نحو خمسة عشر متطوعًا، من بينهم والده، لعدة أشهر في تعلم كيفية صنع قوالب طينية متينة لبناء مسكن على شكل قبة.

يوفر المنزل الطيني المكتمل حماية أفضل بكثير من الخيمة التي كانت تسكنها عائلته، ويحافظ على الطعام طازجًا لفترات أطول، ويوفر راحة من حرارة الصيف الشديدة. حظي هذا المشروع بدعم منظمات صناعة الفخار عالميًا، وألهم سكانًا آخرين للبحث عن بدائل سكنية ميسورة التكلفة.

البنية التحتية المدمرة وقيود البناء

تفاقمت أزمة السكن في غزة نتيجة الدمار الواسع النطاق، فبحسب الأمم المتحدة، يعاني حوالي 1.9 مليون شخص في غزة من النزوح أو يعيشون في خيام تفتقر إلى الصرف الصحي والخدمات الأساسية والحماية الكافية من تقلبات الطقس. يعيش العديد من السكان بين أنقاض الأحياء المتضررة بشدة، فيما تبدو إعادة الإعمار بعيدة المنال.

تستمر السلطات الإسرائيلية في تقييد دخول مواد البناء الأساسية، بما في ذلك الإسمنت والصلب والزجاج والأنابيب، بعد أكثر من ثمانية أشهر على وقف إطلاق النار الذي خفض حدة القتال. تؤكد إسرائيل أن هذه القيود تهدف إلى منع تحويل المواد لأغراض عسكرية، بما في ذلك حفر الأنفاق من قبل حماس. لم يُدلِ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأي تعليق عند توجيه أسئلة إليه حول هذا الشأن.

إعادة تدوير المخلفات كبديل

لجأ العديد من الفلسطينيين إلى الموارد المحلية وإعادة تدوير المخلفات لعدم قدرتهم على الحصول على مواد البناء التقليدية. يقوم السكان الآن بشكل روتيني بما يلي:.

  • إنتاج الطوب اللبن من الطين المحلي.
  • إعادة استخدام قضبان التسليح الفولاذية المستخرجة من المباني المدمرة.
  • سحق الخرسانة المتضررة وتحويلها إلى ركام قابل لإعادة الاستخدام.
  • استخلاص الإسمنت من البنية التحتية المتضررة.
  • خلط الطين مع الرماد والتبن والدقيق والرمل والزجاج المسحوق لصنع الملاط والطوب.

أكد عطا الله أن الطين يُستخرج مباشرة من أرض غزة، مما يجعله غير معتمد على المعابر الحدودية أو مواد البناء المستوردة. وقد طور طلاءً مقاومًا للماء لتحسين متانة الطوب الطيني.

مبادرات مجتمعية ملهمة

تبرز مبادرة الشقيقتين تالا موسى (17 عامًا) وفرح موسى (15 عامًا)، اللتين نزحتا خمس مرات منذ بدء النزاع وتعيشان الآن في خيمة بالنصيرات وسط غزة. بعد تدمير منزلهما، استلهمتا فكرة تحويل الخرسانة المحطمة إلى طوب بناء قابل لإعادة الاستخدام.

تعتمد طريقتهما على تكسير الخرسانة إلى جزيئات خشنة ومزجها بالطين والماء والرماد والزجاج المطحون ناعماً داخل قوالب خاصة. نجحتا في إنتاج طوب مناسب للأرصفة وجدران التقسيم الداخلية بعد تجربة تركيبات مختلفة. حاز ابتكارهما على جائزة موجهة للشباب من مؤسسة الأرض السويسرية، بقيمة 12,500 دولار، وتأملان في إنشاء ورش عمل لتعليم الآخرين هذه التقنيات.

تحذيرات من الحلول المؤقتة

تُقر منظمات الإغاثة بالإبداع الذي أبداه سكان غزة، لكنها تُحذر من أن هذه الحلول تبقى تدابير طارئة وليست إعادة إعمار طويلة الأمد. أوضح إياد أبو همام، منسق مجموعة المأوى في غزة بالمجلس النرويجي للاجئين، أن المنظمات الإنسانية لا تستطيع حاليًا توفير سوى مواد إيواء مؤقتة كالخيام والأغطية البلاستيكية.

أكد أبو همام أن الخرسانة المُعاد تدويرها تفتقر إلى المتانة الهيكلية اللازمة للمباني الدائمة. وبسبب نقص الإسمنت والحديد الجديدين، تعتمد العائلات على الخشب والأغطية البلاستيكية والأنقاض المُستصلحة ومواد مُرتجلة لإصلاح المنازل المتضررة جزئيًا وتغطية النوافذ وإنشاء مساكن أساسية، وهي تعديلات لا تُغني عن إعادة الإعمار الحقيقية.

استغلال كل مورد متاح

شجع النقص الحاد في مواد البناء السكان على استعادة أي شيء يمكن أن يساعد في جهود إعادة الإعمار. ففي حادثة انتشرت على نطاق واسع، ظهر إسمنت رطب من تحت الأرض في منطقة المغازي بعد أن زُعم أن القوات الإسرائيلية ضخت الخرسانة في أنفاق حماس لإغلاقها، مما دفع السكان لجمعها في دلاء وأكياس.

قال البنّاء سليم حمتو إنه خلط الإسمنت المُستخرج برمال الشاطئ لإصلاح الجدران وتركيب بلاط الأرضيات. كما أظهرت مقاطع فيديو غواصين يستخرجون الخرسانة المتصلبة من البحر قرب ميناء غزة. حتى قضبان التسليح الفولاذية التالفة من المباني المدمرة يجري تقويمها وإعادة استخدامها كأعمدة للخيام أو لدعم الأسقف الخفيفة.

دور وسائل التواصل الاجتماعي والمفاوضات السياسية

ازداد الاهتمام بالبناء بالطين بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وثّق صانع المحتوى خليل أبو رمضان جهود عطا الله، آملًا أن تتبنى المزيد من العائلات تقنيات مماثلة. يرى أبو رمضان أن المساكن الطينية توفر حماية أفضل وتبقى أكثر برودة في الصيف ودفئًا في الشتاء من الخيام، رغم ارتفاع تكلفة المواد المحلية.

على الرغم من هذه الجهود المحلية، تظل إعادة الإعمار الشاملة مرتبطة بالتطورات السياسية الأوسع، حيث ترتبط بالمفاوضات حول الوضع العسكري المستقبلي لحماس. تؤكد إسرائيل أن إعادة الإعمار الكبيرة تتطلب من حماس التخلي عن أسلحتها، وهو شرط رفضته الحركة حتى الآن. ومع استمرار المفاوضات، يعتمد العديد من سكان غزة على حلول سكنية مؤقتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى