مصر تحقق فائضًا كهربائيًا: 65 ألف ميجاوات إنتاج بعد تحول 30 يونيو

شهد قطاع الكهرباء في مصر تحولًا ملحوظًا حيث ارتفع إجمالي إنتاج الطاقة الكهربائية إلى حوالي 65 ألف ميجاوات حاليًا في المقابل بلغ أقصى حمل على الشبكة 39 ألف ميجاوات خلال أغسطس 2025 مما يؤكد استقرار الشبكة وتحقيق فائض كبير في الإنتاج بعد سنوات من التحديات.
قبل عام 2014 كانت مصر تواجه أزمة حادة في الكهرباء وفقًا للدكتور أحمد الشناوي خبير الطاقة الكهربائية فقد بلغ الإنتاج في عام 2013 نحو 22 ألف ميجاوات بينما وصلت الاحتياجات الفعلية إلى 29 ألف ميجاوات مما خلف فجوة قدرها 7 آلاف ميجاوات بين الإنتاج والاستهلاك.
هذا العجز تسبب في انقطاعات يومية للتيار الكهربائي تتراوح مدتها بين ثلاث وأربع ساعات مما أثر سلبًا على الحياة اليومية وتوقف محطات تموين السيارات وحالات وفاة لأطفال داخل الحضانات واختناق بالمصاعد وتوقف المصانع عن الإنتاج مما دفع بعض المستثمرين للمغادرة في أوضاع وصفها الشناوي بالكارثية.
مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي في يونيو 2014 صنفت أزمة الكهرباء كقضية أمن قومي مما دفع الدولة لتبني خطة شاملة لإنهاء الأزمة وتأمين احتياجات الطاقة المستقبلية.
شملت الإجراءات العاجلة التوسع في استخدام مصابيح LED الموفرة وتشجيع إنشاء محطات الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني خاصة الحكومية وتسريع إعادة تشغيل المحطات المتوقفة بسبب الصيانة مما عزز القدرات المتاحة على الشبكة القومية.
لعبت وزارة البترول والثروة المعدنية دورًا حيويًا بتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء مما ساعد على استقرار التغذية الكهربائية تدريجيًا وتجاوز أزمة قطاع الطاقة.
مشروعات عملاقة تعزز قدرة مصر الكهربائية
شهد مؤتمر مصر الاقتصادي في مارس 2015 بشرم الشيخ توقيع عقود لإنشاء ثلاث محطات عملاقة لإنتاج الكهرباء مع إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال الطاقة الكهربائية.
تتمركز هذه المحطات في بني سويف والعاصمة الإدارية الجديدة والبرلس وتعتمد على تكنولوجيا الدورة المركبة لتحقيق كفاءة عالية وخفض استهلاك الوقود كل محطة تضم أربع وحدات توليد بقدرة 4800 ميجاوات لتصل القدرة الإجمالية للمحطات الثلاث إلى 14400 ميجاوات وهي إضافة غير مسبوقة للشبكة.
في الوقت نفسه تبنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة خططًا واسعة للتوسع في محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح نظرًا لكونها مصادر نظيفة ومتجددة تقلل الانبعاثات الكربونية والاحتباس الحراري وتخفف الاعتماد على الوقود الأحفوري مما يدعم موازنة الدولة.
بدأت مشروعات الطاقة الشمسية بمحطة بنبان بأسوان التي تعد من الأكبر عالميًا بقدرة إنتاجية 1485 ميجاوات وقد أطلقت الأمم المتحدة على أسوان لقب عاصمة الشمس وساهمت المحطة في خفض مليوني طن من الانبعاثات الكربونية سنويًا.
تضمنت مشروعات الطاقة الشمسية أيضًا محطة أبيدوس 1 بقدرة 500 ميجاوات ومحطة أبيدوس 2 بقدرة 1000 ميجاوات التي تستخدم أنظمة بطاريات لتخزين الطاقة الكهربائية لأول مرة لضمان استمرارية الإمداد بعد غروب الشمس.
كما شملت محطة كوم أمبو للطاقة الشمسية بقدرة 200 ميجاوات ومحطة غرب النيل للطاقة الشمسية بنفس القدرة الإنتاجية التي تبلغ 200 ميجاوات.
في يناير 2026 افتتحت المرحلة الأولى من مشروع أوبيليسك لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بمدينة نجع حمادي بقنا بقدرة 500 ميجاوات بالإضافة إلى 200 ميجاوات ساعة من أنظمة تخزين الطاقة باستخدام البطاريات لتعزيز استقرار الشبكة ورفع كفاءة الاعتماد على الطاقة النظيفة.
مصر تتوسع في طاقة الرياح ومشاريع عملاقة
تبرز محطة جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر جنوب مدينة رأس غارب كأحد أهم مشاريع طاقة الرياح في مصر والعالم تمتد على مساحة 100 كيلومتر مربع وتضم 290 توربينًا موزعة على ثلاث مراحل بقدرة إجمالية 580 ميجاوات وقد نالت جائزة أفضل مشروع عالمي للطاقة والصناعة لعام 2022 وتصنف ضمن أكبر محطات إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح على مستوى العالم.
تتميز محطة جبل الزيت بنظام رصد متطور للطيور المهاجرة بالرادار يتيح إيقاف التوربينات مؤقتًا أثناء مرور أسراب الطيور بما يسهم في الحفاظ على سلامتها دون التأثير على البيئة.
من المشاريع الهامة أيضًا محطة رأس غارب الجديدة بقدرة إنتاجية 500 ميجاوات مع خطة لزيادتها إلى 650 ميجاوات في مرحلة مستقبلية وتكفي لتغذية أكثر من مليون منزل كما تسهم في خفض 15 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنويًا.
تعد محطة الزعفرانة أول محطة لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح في مصر وتضم 700 توربينة رياح بقدرة 600 ميجاوات لتكون نقطة انطلاق نحو التوسع في استغلال طاقة الرياح محليًا.
تضم قائمة المشاريع محطة رأس غارب 1 التي تضم 126 توربينًا بإجمالي قدرة إنتاجية تصل إلى 262 ميجاوات فيما بلغت تكلفة تنفيذها نحو 388 مليون دولار.
أما محطة غرب بكر فتقع في منطقة خليج السويس وتبلغ قدرتها الإنتاجية 250 ميجاوات وتضم 96 توربينة رياح كما تسهم في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يتراوح بين 530 ألفًا و550 ألف طن سنويًا.
أضخم مشاريع طاقة الرياح هو مشروع غرب سوهاج الذي تبلغ قدرته الكهربائية المنتجة نحو 10 جيجاوات مما يجعله ثاني أكبر مزرعة رياح برية على مستوى العالم والأكبر في منطقة الشرق الأوسط.
أشار الدكتور أحمد الشناوي إلى أن نسبة إنتاج الكهرباء من الطاقة الجديدة والمتجددة بلغت حاليًا 25% من إجمالي الشبكة القومية بينما كان المخطط رفعها إلى 40% بحلول عام 2030 إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه برفع المستهدف إلى 45% وتقليص الجدول الزمني لتحقيق هذا الهدف ليصبح عام 2028 بدلًا من 2030.
مشاريع مستقبلية: النووي والهيدروجين الأخضر
مشروع محطة الضبعة النووية الذي ظل حلمًا يراود المصريين لأكثر من ستة عقود تحول إلى واقع.
تحقق هذا الحلم خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمصر حيث شهد المؤتمر الصحفي العالمي يوم الاثنين 11 ديسمبر 2017 وبحضور الرئيس السيسي توقيع الاتفاق المصري الروسي لبدء تنفيذ مشروع المفاعل النووي بالضبعة وفي عام 2019 أصدرت هيئة الرقابة النووية والإشعاعية إذن قبول اختيار موقع الضبعة والتأكد من صلاحيته لإقامة مفاعل نووي كما منحت أيضًا إذن إنشاء المفاعل النووي الأول لتبدأ مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروع.
في إطار التوسع بمصادر الطاقة المستقبلية انتقلت الدولة لمشاريع الهيدروجين الأخضر الذي يعد وقود المستقبل وتم تأسيس شركة مصر للهيدروجين الأخضر ومنحتها الحكومة المصرية الرخصة الذهبية لإنشاء مصنع بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس بقدرة 100 ميجاوات يتميز الهيدروجين الأخضر بكونه مصدرًا نظيفًا للطاقة يمكن استخدامه بديلًا للغاز الطبيعي في محطات الكهرباء التقليدية دون التسبب في أي انبعاثات كربونية.
لتعزيز التحول الرقمي والقضاء على الروتين أنشأت جميع شركات الكهرباء منصة رقمية تتيح للمواطنين الحصول على معظم الخدمات إلكترونيًا دون الحاجة للتوجه إلى مقار الشركات كما خصص الخط الساخن 121 لتلقي استفسارات وشكاوى المشتركين والرد عليها على مدار الساعة.
لتشجيع المواطنين على إنشاء محطات الطاقة الشمسية وفرت وزارة الكهرباء منصة إلكترونية تضم أسماء الشركات المعتمدة لتنفيذ محطات الطاقة الشمسية بالإضافة إلى المستندات المطلوبة لإنشاء المحطات مما يسهم في الاعتماد على الطاقة الشمسية وتقليل استهلاك الكهرباء من الشبكة القومية وهو ما ينعكس على خفض الأحمال على محطات الكهرباء التقليدية التي تعمل بالغاز الطبيعي والمازوت.
تطوير الشبكة الكهربائية ومكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة
لم تقتصر جهود الدولة على التوسع في إنشاء محطات إنتاج الكهرباء بل امتدت أيضًا إلى تطوير الشبكة القومية والحد من الفقد الفني بتركيب أجهزة متطورة لمراقبة أداء الشبكة الكهربائية على مدار الساعة بما يتيح سرعة اكتشاف أي أعطال أو أوجه قصور والتعامل معها فورًا.
تواصلت أعمال إحلال وتجديد مكونات الشبكة والتي شملت الكابلات الأرضية والخطوط الهوائية ومحولات القدرة الكهربائية إلى جانب إنشاء مراكز تحكم حديثة تمكن من متابعة كميات الكهرباء المنتجة والمستهلكة لحظة بلحظة وتسهيل إجراء المناورات الفنية في حالات انقطاع التيار بما يضمن سرعة إعادة التغذية الكهربائية للمشتركين وتقليل زمن الانقطاع إلى أدنى مستوى.
أشار الدكتور أحمد الشناوي إلى أن الموقع الجغرافي المتميز لمصر الذي يتوسط ثلاث قارات إلى جانب كفاءة الشبكة الكهربائية المصرية واعتمادها على مزيج متنوع من مصادر إنتاج الكهرباء وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أسهم في تعزيز مكانة الدولة لتصبح محورًا إقليميًا للطاقة الكهربائية وقاعدة رئيسية لتبادل الطاقة مع العديد من دول المنطقة.
أوضح الشناوي أن جميع هذه المشروعات القومية العملاقة انعكست بصورة مباشرة على قدرات قطاع الكهرباء حيث ارتفع إجمالي إنتاج الطاقة الكهربائية إلى نحو 65 ألف ميجاوات في حين بلغ أقصى حمل على الشبكة حوالي 39 ألف ميجاوات خلال شهر أغسطس 2025 وهو ما يؤكد أن الشبكة الكهربائية المصرية أصبحت مستقرة ومتزنة وأن حجم الإنتاج يفوق حجم الاستهلاك فضلًا عن اعتمادها على مزيج متكامل من مصادر الطاقة وتحولها إلى شبكة كهربائية ذكية تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتحسين كفاءة التشغيل.
اختتم الدكتور أحمد الشناوي مؤكدًا أن قطاع الكهرباء في مصر نجح خلال سنوات قليلة في الانتقال من مرحلة المعاناة بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي إلى مرحلة تحقيق فائض في الإنتاج يكفي لتلبية الاحتياجات المحلية مع التوسع في تصدير الكهرباء إلى الأسواق الخارجية وأضاف أن ما تحقق يعكس حجم التحول الذي شهدته الدولة بعد ثورة 30 يونيو والتي شكلت نقطة انطلاق نحو كتابة صفحة جديدة في تاريخ الكهرباء والطاقة في مصر ورسخت أسس قطاع قادر على دعم التنمية المستدامة ومواكبة متطلبات المستقبل.