هدنة أمريكا وإيران: 60 يومًا حاسمة لتجنب أزمة إقليمية

تتجه الأنظار نحو الهدنة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، التي تُعد فرصة لاحتواء التصعيد العسكري، إلا أن خبراء العلاقات الدولية يطرحون تساؤلاً جوهريًا حول مدى كفاية وقف إطلاق النار لتحقيق الاستقرار، أم أن مستقبل المنطقة يتوقف على إرساء منظومة أمنية جديدة تتجاوز الاتفاقات السياسية المؤقتة.

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة كاميلا زاريتا، الأستاذ بجامعة وارسو والخبيرة في قانون الاتحاد الأوروبي والدراسات الأمنية والشؤون الدولية، أن الهدنة الحالية بين واشنطن وطهران لا ينبغي تحليلها كاتفاف سياسي ثنائي وحسب، بل تكمن أهميتها الحقيقية في كونها اختبارًا لقدرة المنطقة على بناء بنية أمنية مستدامة ترتكز على الحوار والمسؤولية الإقليمية والقانون الدولي.

وأضافت زاريتا لـ”المصري اليوم” أن الهدنة الراهنة تمثل إنجازًا دبلوماسيًا بارزًا لكنها تعد آلية انتقالية وليست تسوية دائمة، مشيرة إلى أن الاتفاقية تحمل بعدًا إنسانيًا هامًا، حيث لا تُقاس الصراعات الحديثة بالخسائر العسكرية فقط بل بتأثيرها على المدنيين وحصولهم على الغذاء والطاقة والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.

وأفادت بأن كل طرف على طاولة المفاوضات لديه دوافع متباينة، لكنهم يتشاركون بشكل متزايد في مصلحة مشتركة واحدة تتمثل في منع حدوث أزمة إقليمية نظامية أخرى، فبالنسبة للولايات المتحدة، يتمثل الهدف في تجنب أي اشتباك عسكري طويل الأمد مع الحفاظ على حرية الملاحة وحماية الشركاء الاستراتيجيين وضمان الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، بينما تسعى إيران إلى التعافي الاقتصادي وتخفيف العقوبات وزيادة الاعتراف الإقليمي مع الاحتفاظ باستقلالها الاستراتيجي.

وحول وجود بنود مرنة في الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أكدت زاريتا أن هذه البنود لم تكن صدفة بل ضرورة دبلوماسية، فغالبًا ما تستخدم الاتفاقيات الدولية ما يصفه المحامون الدوليون بالغموض البناء، وهو ما يسمح بإبرام اتفاقيات صعبة سياسيًا رغم الخلافات التي لم تُحل.

واستطردت أن الغموض ينبغي فهمه كأداة دبلوماسية مؤقتة وليس حلاً دائمًا، فكل اتفاق يتطلب في النهاية الوضوح بشأن ثلاثة أسئلة أساسية هي: من يتحقق من التنفيذ ومن يتحمل المسؤولية عند حدوث الانتهاكات ومن يملك الشرعية الكافية للتوسط في النزاعات المستقبلية، ولهذا فإن التنفيذ سيكون أكثر تحديًا بكثير من التفاوض.

من جهته، رأى السفير مسعود معلوف، الدبلوماسي السابق وخبير الشؤون الأمريكية، أن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اعتبارها اتفاق سلام نهائيًا، بل هي مرحلة مؤقتة مرتبطة بنتائج المفاوضات الجارية بين الجانبين، والمقرر أن تستمر لمدة 60 يومًا مع إمكانية تمديدها باتفاق الطرفين.

وأوضح معلوف لـ”المصري اليوم” أن المادة الأولى من مذكرة التفاهم تتحدث عن وقف الأعمال العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بما يشمل حلفاء واشنطن، مما يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة عاملاً قد يهدد استمرار الهدنة، مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، وخاصة على الجبهة اللبنانية، تؤثر سلبًا على فرص نجاح المفاوضات، معتبرًا أن الاتفاق ما يزال في مرحلة شديدة الحساسية وأن مصيره مرتبط بما ستسفر عنه جولات التفاوض المقبلة.

دوافع الأطراف للتمسك بالهدنة

أشار خبير الشؤون الأمريكية إلى أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لديهم دوافع مختلفة تدفعهم لتجنب استمرار الحرب، موضحًا أن الولايات المتحدة، بحسب تقديره، تسعى لإنهاء الصراع بعد ارتفاع تكلفته الاقتصادية والعسكرية، إضافة إلى التداعيات التي طالت حركة الملاحة في مضيق هرمز، مما يجعل إنهاء الأزمة خيارًا يخدم المصالح الأمريكية.

أما إيران، فيرى أنها تكبدت خسائر كبيرة في منشآتها النووية والعسكرية، إلى جانب الخسائر البشرية، مما يجعل العودة إلى الاستقرار وإنهاء المواجهة العسكرية هدفًا مهمًا بالنسبة لها.

وفيما يتعلق بإسرائيل، قال معلوف إن لديها مصلحة في وقف الحرب نتيجة ما تعرضت له من هجمات من إيران وحزب الله، لكنه يميز بين مصلحة الدولة والمواقف السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يرى أنه قد يسعى لاستمرار التصعيد لأسباب تتعلق بحساباته السياسية الداخلية، خاصة أن نتنياهو لم يحقق أيًا من الأهداف الرئيسية للحرب.

طبيعة بنود الاتفاق المرنة

اعتبر معلوف أن غالبية بنود مذكرة التفاهم تحمل طابعًا مرنًا، لأنها تعتمد على ما ستسفر عنه المفاوضات المستقبلية وليس على التزامات نهائية دخلت بالفعل حيز التنفيذ، مشيرًا إلى أن أحد أبرز هذه البنود ينص على التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يومًا مع إمكانية تمديد المهلة، وهو ما يعني، بحسب رأيه، أنه لا توجد ضمانات حقيقية لإتمام الاتفاق خلال الفترة المحددة.

وأضاف أن هناك ملفات معقدة من بينها الوضع في لبنان، ومدى قدرة الولايات المتحدة على التأثير في السياسات الإسرائيلية، وهي قضايا قد تؤثر بشكل مباشر على فرص نجاح المفاوضات، مشيرًا إلى أن التوصل إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران خلال فترة زمنية قصيرة يمثل تحديًا كبيرًا.

ونوه إلى أن الاتفاق النووي المبرم عام 2015 استغرق سنوات من المفاوضات قبل التوصل إليه، مما يجعل الوصول إلى اتفاق جديد خلال 60 يومًا أمرًا غير مضمون، رغم وجود مصلحة مشتركة لدى الأطراف الرئيسية في احتواء التصعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى